للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

شك غمام الثلج المنثور، أني من أصحاب القبور، فجعل يهدي إلي حنوطا وذرورا، ويندف علي قطنا وينثر كافورا، فلما تمت الأكفان، وصح الأندفان، وطلعت إلي غرة الحاجب سيف الدولة أبي الفتوح، فقمت وقد انجلت عني المحن، وانتفضت فطار القبر والكفن (١)، ومد إلي يد الرضوان، وغمسني في نهر الحيوان، فجعلت أطرف كما يطرف الفجر في سدف (٢) الليل، وأنبت كما تنبت الحبة في حميل السيل، ورأيت ملكا تقرأ النفاسة بين عينيه، وتبصر الرئاسة طوع يديه، حلي السيف باسمه فرقت مضاربه، وتوج الملك في مفرقه فعزت جوانبه، جواد يندى في كفه الجماد، ويقدح بنبله الزناد، ويقتبس من وجهه الكوكب الوقاد، وعلى أعراقها تجري الجياد، كيف يعجب للسيف أن يقطع، ومن حديد الهند طبع، وللبدر أن يشرق، ومن نور الشمس استرق، وللبحر أن يزخر، وعن الريح المرسلة أخبر.

وقوله (٣):

ومرت لنا الأيام لا نستطيع براحا، ولا نلذ غدوا ولا براحا، فلما انقضت ليال خمس التفتتنا التفات (٤) البكر من خلال الستر، وصمت الماء من خريره، والهواء من صريره، فقلنا: قد يكون الرضى صماتا، والإذن التفافا، وأخذنا في التفويض، وأسرعنا في النهوض، وما زلنا في مسلكنا (٥) نموت ونحيا، ونتقلب بين الآخرة والأولى، حتى اصطلينا بنار الحاجب (٦) سيف الدولة أبي الفتوح، فقابل بوجه طلق، وخلق سمح، فلما صرنا في ذراه، وكنفتنا نعماه (٧).

وقوله (٨):

ثم توجهت تلقاء مدين الأسعد (٩)، وموطن السؤدد، حضرة المعتضد بالله، وإن كانت على هرم، فأتمنى وقفة بها فيها ولو على قدم، وأرغب في زيارتها ولو لماما، وأود رؤيتها ولو مناما، لألمح دار الخلافة، وأرى بيت الرسالة (١٠)، فخرج إلي الأمير


(١) إشارة إلى قول المتنبي:
كم قد قتلت وكم قدمت عندكم … ثم انتفضت فزال القبر والكفن
(ديوانه، ٤٧)
(٢) الذخيرة: سدفة.
(٣) الذخيرة: ق ٣ مج ١ ص ٤٣٩.
(٤) الأصل: التقتا التقاء.
(٥) الأصل: في نسك كنا.
(٦) الذخيرة: الحباحب.
(٧) بعده في الذخيرة: أنشدنا:
فقل للسماء ارعدي وابرقي … فإنا رجعنا إلى المنزل
(٨) الذخيرة: ق ٣ مج ١ ص ٤٤٠.
(٩) الذخيرة: الأصعد.
(١٠) الذخيرة: الرئاسة.

<<  <  ج: ص:  >  >>