وأصناف الملاهي تتناوب، وأقبلت نجوم الطاس تنكدر في الصدور، وقلوب الناس تنتشر في الحجور، وما بقي عقل لم يقع في شرك، ولا جيب كان في شعة من درك.
وقوله (١):
وإني فضلت عن تلك الحضرة بعد أيام كأيام الشباب، وليل كذوائب الكعاب، سكنا منها في السواد من القلوب، وسلكنا بين المخانق والجيوب، أنقل من يد إلى يد، وأحمل بين جفن وجلد (٢)، سقيت برد السرور على الأكباد، أو طربتُ أطعمت حلاوة الوداد في الأخلاد (٣)، والله يوم (التاج) و (الزاهر) عند الملك الماجد الباهر، فيا له من أنس وطيب بين الخورنق والكثيب (٤)، في مجلس كأنما ألفت قواريره من خدود وثغور، وثماره من نهود ونحور، ونحيي الجسوم بالأرواح، فبقينا (٥) فاكهين فرحين، نزمر بالكؤوس، ونرقص بالرؤوس، وتتثاقف الأخوان، ونواقف الندمان، مواقفة الكرام، بشرب المدام، لا بحد (٦) الحسام نسقي ود الصديق للصديق، ونطلب الصبوح بثأر الغبوق، حتى أخجلنا الشمس بضياء الراح، وقمنا نقد السراح من ضوء الصباح، وقلنا: دين المسيح، يعبده كل مليح، فطفنا حول الدنان، بمصابيح الرهبان وما زلنا نسمع باقتراح، ونشرب على ارتياح، ونصل اغتباقًا باصطباح، حتى شبت مصابيحنا لقفال (٧)، وحان أوان ظعن وارتحال، فخرجتُ كالمقلة استلت من الأشفار، والنفس انتزعت عن فلوذ أعشار (٨)، ثم ارتحلتُ من غدٍ (٩) عن مقام كريم إلى عذاب أليم، لا أملك فيه أدمعي، ولا أجد نفسي (معي)(١٠) وسرنا بين جبال وحشة، ومياه دهشة، فصادرتنا من ريح عاد، ذات صر وأبراد، أضرمت نار البرحاء، وكظمت أنفاس الصعداء، ومن أخذ بكظمه كيف يرجو الحياة؟! ومن أطبق بغمه أين يجد النجاة؟! وما
(١) الذخيرة: ق ٣ مج ١ ص ٤٣٥. (٢) الذخيرة: خلد. (٣) الأصل: الوجاد في الأجلاد. (٤) بعده في الذخيرة: صعدنا فيه إلى العلياء، وصرنا كأننا من أهل السماء، نشرب التجوم بالأقداح. (٥) الذخيرة: فبتنا. (٦) في الأصل: لا تجوب. (٧) إشارة إلى قول امرئ القيس: نظرتُ إليها والنجوم كأنها … مصابيح رهبان تشب بقفال (دوانه: ٣١) (٨) الأصل: أسفار. (٩) الذخيرة: الغد. (١٠) سقطت من الأصل، وهي في الذخيرة.