للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ (١)، صيغ عودها من الحلي المنيل (٢). وقام عمودها كأنبوب السقي المذلل (٣)، والتفت أغصانها (٤) التفاف الذوائب الجعدة، والتقت أفنانها التقاء الصعدة بالصعدة، فبينا نحن نعجب من شانها، ونستغرب مناظر زهرها وأفنانها، إذ سطع من جرثومها دخان المجمر، وارتفع من خلال لبسها غبار العرف المعطر، من دون أن تبدو إلى العيان نارها، ويعلم أين يوقد هنديها وغارها، فقلنا: تبارك الله كيف تحرق نار تخالها هامدة، وتورق أشجار تحسبها خامدة، إن الذي أنطق الجزع والحصى، وخلق الحية والعصا، وأطفأ (٥) النار بعد أن كانت ضراما، وقال: كوني على إبراهيم بردًا وسلاما (٦)، القادر على أن يورق الصلاد، كما أنطق الجماد، وعلى أن تعمل النار في الخمود، كما أبطلها عند الوقود، وقام بالجريال على ساق (٧)، وجعل المنديل مكان حمائل السيف الطويل. وأدار نجومًا بروجها أيدينا، وشموسًا تطلع (٨) وتغرب فينا، ولما كنت لا أشرب إلا مشتبه الشراب كالمزر والدوشاب (٩) قُدِّم إليَّ قعب من نبيذ الآزاذ (١٠)، ومصري الدان (١١)، فرفع (نديمي) شهابا، وأبرزت أنا غرابًا (١٢).

وقوله (١٣):

وأوحى إلى المزمار أن ينطق، وإلى الأوتار أن تخفق، وإلى الغناء أن يذيب القلوب، ويشق الجيوب، ويحث الشمول، ويكفي الساقي أن يقول، وقد أسبلت على لهو بهو السماع، وقبة الغناء، قطعة من الخسروان، اللازوردية الحرير، قد ألهب بالذهب نحورها (وحواشيها) وقبب بالعسجد أسافلها وأعاليها، وكحلت بأسلاك الجوهر خطوطها ورسومها، ووصلت بالياقوت الأحمر دوائرها ورقومها فجاءت كطرة الصباح نقطت، ولبة الفجر رصعت بغير كواكب الرجوم، فاندفعت منها بلابل الدراري تغرّد، وحمام الأيك (١٤) تصوّب وتُصعّد، وأطيار المعازف تتجاوب،


(١) سورة إبراهيم: ٢٤.
(٢) المنيل: أي المرصع أو المزخرف.
(٣) إشارة إلى قول امرئ القيس:
وكشح لطيف كالجديل محضر … وساق كأنبوب السقي المذلل
(دوانه: ١٧).
(٤) الذخيرة بأغصانها.
(٥) أطفأ: لم ترد في الذخيرة.
(٦) سورة الأنبياء ٦٩١، قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم.
(٧) الذخيرة: وقام بالجريال ساق جعل المنديل، وهي قراءة مضطربة.
(٨) الذخيرة: تطلع منه.
(٩) المزر: نبيذ الذرة الدوشاب نبيذ التمر (انظر: شفاء الغليل: ٨٧).
(١٠) الازاذ: نوع من التمر.
(١١) الداذ: نبت يعمل منه شراب مسكر.
(١٢) لو تراني وفي يدي قدح الدوشاب أبصرت بازيار غراب.
(١٣) الذخيرة: ق ٣ مج ١ ص ٤٣٤.
(١٤) الذخيرة: حمائم الأوتار.

<<  <  ج: ص:  >  >>