﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ (١) لو شاهدت ذلك البرج (٢)، لصار القلم في يدي كصدر الرمح، وأضحى المقط في كفي أبيض مثل السيف. ولكانت سكيني هناك حسامًا، ويميني عمرًا أو صمصامًا، وقلبي على لينه جمادًا، وسعى على ضعف حويله جهادًا، حتى أرمي من رمي في المقتل، فأقتل دونه قتلة المكب المقبل.
ثم خرجنا وقد صدئت نفوسنا، ووجلت قلوبنا، وخلت من الدموع عيوننا، ولم يتسع يوم الإقامة (٣) لأكثر من هذه المقامة، باكرت (٤) الرحيل، ويَمَّمْتُ في الغد الملك الجليل، الذي ضاءت (٥) به المشرق والمغرب، وسادت لخم سائر العرب، فلما فصلت عنها رأيتُ من حسنها وجمالها، واتصال مساكنها وظلالها، ما حبس عليه ناظري، وجُذِبَ إليه خاطري، فقلت:
سقى جديدًا من الأيام قرطبة … ماء الشباب وريق البارد الخصر
وقفًا يمد الندى في روضه شرفًا … من الغمام مع الآصال والبكر
لأنه فيه والإمساءُ يُبْسُطُهُ … رداء إلفين قد صارا إلى وطر
حتى إذا شيب كافور الصباح به … أضحت تصعده نار من الزهر
وبين هذين من لين ومن لُطف … روح يُقيم سجود النجم للشجر (٦)
لليل فيه سواد يستهام به … كأنّه في سواد العين والشعر
وللنهار سنا يحكي تبلّجه … نور البصيرة مقرونًا مع البصر
كأنما شمسها تحت الغمام سنا … وجه تنفس في مرآته نضر
والطل فيه غداة القطر تحسبه … حليًا سقى زهر اللبات بالدرر
وصفحة النهر الفضي باسمة (٧) … في روضها مثل خيط الفجر في السحر
ثم نفذت لطييّتي، وأخذت في وجهتي (٨)، وكان لا عهد لي بلقاء المعتضد بالله
(١) الواقعة: ٧٥ - ٧٦.
(٢) الذخيرة: يوم ذلك.
(٣) في الأصل: القيامة، والتصويب عن الذخيرة. وقد أشار المحقق إلى أن كلمة القيامة وردت في بعض أصول الذخيرة.
(٤) الذخيرة: ثم باكرت.
(٥) الذخيرة: ضارع به المغرب المشرق.
(٦) الذخيرة: والشجر.
(٧) الذخيرة مبسمة.
(٨) الأصل: وجهي.