للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يوصي الناظر بنوره. أم يحض القلب على حفظ سروره.

قلت: وبهذه الكتابة عن الأمراء كتبت في كتاب كتبته عن تنكز، وقد أهديت ابنته إلى ابن بكتمر الساقي، ولم تكن الكلمة شهد الله صافحت سمعي ولا بصري، بل شيء أفرغه في ذلك الوقت الخاطر، وجاء فتوحًا في الوقت الحاضر، وكنتُ في صبًا لا ينظر ما أقوله بعين، فأنكرها مشايخ الكتاب في ذلك الأوان، وازدروها، وصغروها، وما أكبروها، حتى لقيني بدر الدين أبو عبد الله ابن العطار، فسألني عما كان فذكرتُ له الفصل ومنه: وقد جهز المملوك المطلوبة، وهي وديعة كرمه، ونزيلة حرمه، ومولانا أولى من أولاها برّه، وأسبل عليها ستره والمملوك مطمئن بإحسان مولانا الذي متى دعته أجابها، واثق بصيانته التي تودّ المجرة لو كانت حجابها.

فقال ابن العطار: مليح والله مليح وحسن، والله حسن، وإنما كنيت بما كنّى به المتقدمون، فسررت بقوله: إن المتقدمين كنوا بها، وقلت: من؟ فقال: الصابي:

فقلت: أحب أن أقف عليه، فذهب فأوقفني عليه من خط أبيه العلامة كمال الدين.

فأوقفت عليه أولئك الجهلة، فكأنما قذفتهم بالأحجار، أو ألْجَمْتَهُم بلجم من نار.

عدنا إلى صاحب الترجمة. ونثره، ومنه ما كتبه عن المعتضد إلى أبيه أبي عمر (١):

إن كنا لم نتعارف ترائيًا، ولم نتلاق تدانيًا، … ففضلك في كل قطر كالمشاهد، وشخصك في كل نفس غير متباعد، فأنت واحد عصرك، وقريع دهرك، علمًا بيدك لواؤه، وفضلًا إليك إعزاؤه، وكنت كذلك والناس موفورون، والشيوخ أحياءً يرزقون، فكيف وقد درس الأعلام والكدى (٢)، وانتزع العلم بقبض العلماء فانقضى، والله يبارك في عمرك، ويعين كلًا على برك، وإلى ذلك من شهور حالك، فبيننا من وكيد الذمام السالف، وشديد اتصال التالد والطارف ما أنت (٣) له جد ذاكر وبه حق عارف، ورعاية مثل هذا منك تقتبس، ولديك تلتمس، ولم تزل نفسي إليك جانحة، وعيني نحوك طامحة. انجذابًا إلى العلم، ورغبةً فيه، ومنافسة في قضاء حقوق حامليه، والناس عندنا إلى ما عندك ظماء، ولدينا الداء وأنت الشفاء، فاجعل للمغرب (٤) منك نصيب الشرق، فهو أولى بك وأحق، وعندي لك من الإكرام والإعظام ما يُضاهي حالك ويُسامي آمالك، وقد صار عندي جزء منك متحكمًا فيه على المنصور - أيده الله -


(١) الذخيرة: ق ٣ مج ١ ص ١٣٤.
(٢) الأعلام الجبال، والكدي جمع كدية، الأرض المرتفعة.
(٣) في الذخيرة: وأنت.
(٤) في الذخيرة للغرب.

<<  <  ج: ص:  >  >>