للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

رياسة نيسابور إليه، فصار رئيس الرؤساء بها، وساعدته الاتفاقات الحسنة من أسباب الدنيا، فأجرى الرئاسة ورسومها على أحسن مجاريها، ورسم المحافل والمشاهد والمجامع أحسن رسم وأزينه، وكان ملحوظًا من السلطان وأركان الدولة بعين الاحترام والإكرام، سافر إلى العسكر مرات ونال من المكرمة والحشمة والجاه ما لم ينله غيره، ولم يلحق وجه حاله غيره في هذه المدد إلى نيف وأربعين وأربعمائة، فمال بعد ذلك بعض الميل إلى التعصب في المذهب، وأخذ الهوى بزمام اختياره إلى ما لا يليق بالكبار مثل ذلك من المبالغة في العناد ومطاولة الأقران من سائر الفرق حتى أدى إلى إفحاش العلماء والأئمة، وإعزاء بعض الطوائف على بعض، والخروج عن الاعتدال في المصاحبة والمؤالفة. فكان ذلك غضًا من منصبه واتساق أحواله وأموره إلى أن فترت تلك الفترة بعد اشتعال نيرانها، وتأذى طائفة من أهل السنة بها إلى سنة نيف وخمسين وأفضى الأمر إلى أحوال غير مرضية حتى انتهت نوبة الولاية إلى السلطان الب ارسلان فانجلت تلك السحابة عن نوبة العدل والإنصاف واستقامة الأمور وإزالة الرسوم الممقوتة، وكان هذا الصدر صاحب الترجمة خاليًا عن العمل، مشتغلًا بأمور نفسه مع الأبهة والحشمة والنعمة، وقد بعث رسولًا إلى ما وراء النهر، وأحمد سعيه في الدولة الماضية، وعهد من حشمته ورزانة نفسه أمور، فبقي على ذلك مدة إلى ابتداء الدولة الملكشاهية، فصار مقدم البلد أيام الكهولة، وأدى الحال إلى تفويض القضاء بنيسابور إلى هذا الصدر، قاضي القضاة على الإطلاق، وجرى في ذلك من العدل والإنصاف ونقاء الجيب وصون اليد وصيانة النفس، ورد الحقوق إلى أهلها، والقبض على الأيدي الخاطئة، وكان يجمع الوصايا، وما يفضل من التركات طول السنة، ثم يفرقها على العلماء والصالحين من الفرق في شهر رمضان، وسن سننًا صالحة في الأمور، وعقد مجلس الإملاء عشيات الخميس في الجامع القديم على رسم أسلافه، وكان يحضر ذلك المجلس من دب ودرج من الفرق بالنوب، ويتقرب إليه المشايخ والأمور بالحضور، ولم يزل يرتفع أمره لحسن سيرته، وكان صدوق اللهجة، يحب كل من ظهر عنده صدق في مقالته، ويبغض الكذب وأهله أشد البغض، وكانت أموره كلها متناسقة، وأسبابه منتظمة، ومساعيه مع قضاء حقوق المعارف، وحضور التهاني والقيام لكل من يستعين به ما بلغ ما يؤول إلى صلاح حاله إلى أن أدركه قضاء الله الذي لا بدَّ لكل أحدٍ منه، بعد امتداد مرض به، كفر عنه بعض ما سلف له من الخطايا التي لا يخلو الإنسان منها.

ومات ليلة الثلاثاء قبل الصبح الثامن من شعبان سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة.

<<  <  ج: ص:  >  >>