فأنشدني أبو الحسن لنفسه يريد تضمين هذا البيت: [من البسيط]
كم لوعة في الحشا أبقت بهِ سَقَمًا … خوفًا لهجرك أو خوفًا من النائي
لا تهجرني فإني لستُ ذا جَلَدٍ … ولا اصطبار على هجر الأخلاء
الله يعلم ما حُمِّلتُ مِنَ سَقَم … وما تَضَمِّنتُه مِنْ شدةِ الدَّاءِ
لو أن أعضاءَ صَب خاطبت بشرًا … لخاطبتكِ بوجدي كل أعضائي
فارْعَى حقوق فتى لا يبتغى شَطَطًا … إلا السلام بإيحاء وإيماء
هذا على وزن بيت كنتُ منشده عار إذا كانَ مِنْ لحن وإقْوَاءِ
ما إن ذكرتُكِ في قوم أحدثهم … إلا وجدتُ فُورًا بين أحشائي
ولا هَمَمْتُ بشُرب الماءِ مِنْ عَطَشِ … إلا وجدتُ خيالًا منكِ في الماء
وقال أبو القاسم علي بن المُحسّن التنوخي الحنفي عن أبيه عن جده، قال: خرج إلينا أبو الحسن الكرخي يومًا فقال: تعرفون ببغداد رجلًا يقال له ابن أصدق، قال فقلت: أعرفه.
فقلل: أي شيء يعمل؟ فقلت: ينوح على الحسين بن علي.
قال: فبكى أبو الحسن الكرخي، وقال: عندي عجوز هي من صوالح النساء، تكثر من الصوم والتهجد، فانتبهت في جوف الليل فصاحت: أبا الحسن.
قلت: ما لك؟
قالت: الحقني، فجئتها فوجدتها ترعد، فقلت: ما أصابك؟
قالت: رأيت في النوم كأنني في درب من دروب الكرخ فيه حجرة مبيضة مفتوحة الباب، وعليه نساء وقوف، فقلت لهن: ما الخبر؟
فأشار إلى داخل الدار، وإذا امرأة شابة حسناء بارعة الجمال عليها ثياب بياض مروية وفي حجرها رأس يشخب دمًا، ففزعت. فقالت: لا عليك أنا فاطمة بنت رسول الله وهذا رأس الحسين، فقولي لابن أصدق حتى ينوح: [من مجزوء الرمل]
لم أمرضْهُ فأَسلُو … لا ولا كان مريضا
وانتبهت مذعورة، ثم قال أبو القاسم بن المحسن التنوخي: قال أبو الحسن الكرخي لجدي: قد حملت هذه الأمانة في أداء هذه الرسالة، فقال جدي: سمعًا وطاعة لأمر سيدة النساء رضوان الله عليها، فخرجت إلى ابن أصدق، وقلت له: إن فاطمة تأمرك أن تنوح بالقصيدة التي فيها: لم امرضه فأسلو، فانزعج من ذلك،