العلم النفيس، وجلس في صدر التدريس، فأصبحت سوابح السيول تجري به، وصفائح السيوف دون تجربته، وما زال على هذا حتى قعدت به الزمانة، وقيدت تحته مكانه، فرنق كأس المرض آخر عمره، وكان هذا آخر أمره.
مولده سنة ستين ومائتين.
تفقه على أبي سعيد البردعي، ولقي أبا حازم القاضي، وحضر مجلسه، وسكن بغداد، ودرس بها فقه أبي حنيفة حتى اشتهر ذكره في الآفاق، وبرع له غلمان حذاق، وخرج منهم علماء ومدرسون وقضاة، وكان مع غزارة علمه وكثرة رواياته، عظيم العبادة، كثير الصوم والصلاة، صبورًا على الفقر والحاجة، منقبضًا عن الدولة، مقبلًا على نشر العلم وبثه متقشفًا، وله في المذهب قدم راسخ.
قال الصيمري: صار التدريس ببغداد بعد أبي خازم، وأبي سعيد البرذعي إلى أبي الحسن الكرخي، وإليه انتهت رياسة أصحاب أبي حنيفة، وانتشر أصحابه في البلاد.
قال الصيمري: لما أصاب أبا الحسن الكرخي الفالج في آخر عمره، حضرته وحضر أصحابه: أبو بكر الدامغاني، وأبو علي الشاشي، وأبو عبد الله البصري، فقالوا: هذا مرض يحتاج إلى نفقة وعلاج وهو مقل، ولا يجب أن نبذله للناس، فيجب أن نكتب إلى سيف الدولة بن حمدان، ونطلب منه ما ينفقه عليه، ففعلوا ذلك، فلما أحس الشيخ بما هم فيه، سألهم عن ذلك، فأخبروه، فبكى، وقال: اللهم لا تجعل رزقي إلا من حيث عودتني. قال: فمات قبل أن يحمل سيف الدولة شيئًا، ثم ورد كتاب سيف الدولة ومعه عشرة آلاف درهم، ووعد أن يمد بأمثالها، فتصدق بها.
وقال أبو عبد الله الحسين بن علي بن سلمة: أنشدت أبا الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي: [من البسيط]
ما إن ذكرتك في قومٍ أُحدثهم … إلا وجدتُ فُورًا بين أحشائي
= ١٤٢، والأنساب ٥/ ٣٨٦، ٣٨٧، والمنتظم ٦/ ٣٦٩ - ٣٧٠، والعبر ٢/ ٢٥٥، ودول الإسلام ١/ ٢١١، وسير أعلام النبلاء ١٥/ ٤٢٦ - ٤٢٧ رقم ٢٣٨، والبداية والنهاية ١١/ ٢٢٤ - ٢٢٥، ومرآة الجنان (٣٣٣٢، والجواهر المضية ١/ ٣٣٧، وطبقات المعتزلة ١٣٠، ولسان الميزان ٤/ ٩٨ - ٩٩، والنجوم الزاهرة ٣/ ٣٠٦، وشذرات الذهب ٢/ ٣٥٨، تاريخ الإسلام السنوات ٣٣١ - ٣٥٠ هـ) ص ١٩٧ رقم ٣٣٣.