للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان أبو العباس الطوسي سيئ الرأي في أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يعرف ذلك، فدخل أبو حنيفة على المنصور وكبراء الناس، فقال الطوسي: اليوم أقتل أبا حنيفة، فأقبل عليه، فقال: يا أبا حنيفة، إن أمير المؤمنين يدعو الرجل، فيأمره بضرب عنق الرجل لا يدري ما هو، أيسعه أن يضرب عنقه؟ فقال: يا أبا العباس أمير المؤمنين يأمر بالحق أم بالباطل؟ قال: بالحق، قال: أنفذ الحق حيث كان، ولا تسأل عنه، ثم قال أبو حنيفة لمن قرب منه: إن هذا أراد أن يوبقني فتحيلتُ (١).

وقال يزيد بن الكميت: كان أبو حنيفة شديد الخوف من الله تعالى، فقرأ بنا علي بن عيسى المؤذن ليلة في عشاء الآخرة، سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ وأبو حنيفة خلفه، فلما قضى الصلاة، وخرج الناس نظرت إلى أبي حنيفة، وهو جالس يتفكر ويتنفس، فقلت: أقوم لا يشتغل قلبه بي، فلما خرجت تركت القنديل، ولم يكن فيه إلا زيت قليل، فجئت وقد طلع الفجر وهو قائم، وقد أخذ بلحية نفسه وهو يقول: يا من يجزي بمثقال ذرة خير خيرا، ومن يجزي بمثقال ذرة شر شرا، أجر عبدك النعمان من النار، ومما يقرب منها من السوء، وأدخله في سعة رحمتك. قال: فأذنت وإذا القنديل يزهر، وهو قائم، فلما دخلت قال: تريد أن تأخذ القنديل، قد أذنت الصلاة الغداة فقال: اكتم علي ما رأيت، وركع ركعتين، وجلس حتى أقمت الصلاة، وصلى معنا الغداة على وضوء أول الليل (٢).

وقال أسد بن عمرو: صلى أبو حنيفة فيما حفظ عليه صلاة الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة، وكان عامة ليلة يقرأ جميع القرآن في ركعة واحدة، وكان يُسمع بكاؤه في الليل حتى يرحمه جيرانه. وحفظ عليه أنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف مرة.

وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة عن أبيه: لما مات أبي سألنا الحسن بن عمارة أن يتولى غسله، ففعل، فلما غسله قال: رحمك الله وغفر لك لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسد يمينك منذ أربعين سنة، وقد أتعبت من بعدك، وفضحت القراء (٣).

وروي أن أبا عمرو بن العلاء سأله عن القتل بالمثقل هل يوجب القود أم لا؟ فقال: لا، فقال له أبو عمرو: ولو قتله بحجر؟ فقال: ولو قتله بأبا قبيس يعني الجبل المطل على مكة. فعاب قليلو المعرفة هذا على أبي حنيفة، وزعموا أنه ناقض العربية.


(١) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٦٣.
(٢) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٥.
(٣) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>