للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مسرة ولهو. وحكى الفتح بن خاقان (١)، قال: «ركب عبد الجليل بن وهبون، وأبو الحسن غلام البكري (٢) من إشبيلية في ليلة أظلم من قلب الكافر، وأشدّ سوادًا من طرف الظبي النافر؛ ومعهما غلامٌ وضيءٌ قد أطلع وجهه البدر ليلة تمامه، على غصن بانٍ من قوامه؛ وبين أيديهم شمعتان قد أزْرَتا بنجوم السماء، ومزقتا رداء الظلماء، وموّهتا بذهب نورهما لجين الماء (٣). فقال عبد الجليل ارتجالا: [من المنسرح]

كأنما الشمعتانِ إِذْ سَمَتا … خَدا غُلام مُحسنِ الغَيَدِ

وفي حشا النهر من شُعاعِهما … طريق نار الهوى إلى كَبِدِي

وقال غلام البكري (٤): [من الكامل]

أَحْبِبْ بمنظرِ ليلة ليلاء … تُجنى بها اللذات فوق الماء

في زورق يزهى بغرة اغيد … يختالُ مثل البانةِ الغَيْناء

قَرَنَتْ يداه الشمعتين بوجهه … كالبدر بين النَّسرِ والجَوْزاءِ

والْتَاحَ (٥) فوق الماء ضوء منهما … كالبرق يخفق في غمام سماء

قلت: ومن هذا النهر أُخذت إشبيلية، فقال بعضهم «لَسَبَ (٦) إشبيلية عقربها، وساورها أرقهما». يريد بالعقرب شَرَفَها (٧) المطلّ، وهو عقربي الشكل، وبالأرقم


(١) الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان بن عبد الله القيسي، أبو نصر: كاتب، مؤرخ، من أهل إشبيلية. ولد فيها سنة ٤٨٠ هـ/ ١٠٨٧ م ونشأ فيها. وكان كثير الأسفار والرحلات، قال ابن خلكان: «خليع العذار في دنياه، لكن كلامه في تواليفه كالسحر الحلال والماء الزلال مات ذبيحًا بمدينة مراكش في الفندق سنة ٥٢٨ هـ/ ١١٣٤ م، أوعز بقتله أمير المسلمين، علي بن يوسف بن تاشفين. من تصانيفه «قلائد العقيان - ط» في أخبار شعراء المغرب، و «مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس - ط» و «راية المحاسن وغاية المحاسن» أدب، و «مجموع رسائل» ورسالة في ترجمة ابن السيد البطليوسي - ط أوردها المقري في «أزهار الرياض».
ترجمته في: معجم ابن الأبار ٣٠٠ ونفح الطيب ٤/ ٦١٨، ووفيات الأعيان ١/ ٤٠٧، والمغرب في حلى المغرب ١/ ٢٥٤، وشذرات الذهب ٤/ ١٠٧، وإرشاد الأريب ٦/ ١٢٤، وفي تاريخ وفاته خلاف، اعتمدت فيه على رواية ابن الأبار. الأعلام ٥/ ١٣٤.
(٢) أبو الحسن، حكم بن محمد غلام أبي عبيد البكري: من الموالي من شعراء الدولة العبادية، كان من ندماء عبد الجليل بن وهبون، ترجمته في: الذخيرة ٢/ ١/ ٥٦٣، المغرب ١/ ٣٤٨، نفح الطيب ١/ ٦٥٧، قلائد العقيان ٤/ ٩٠٢ - ٩٠٧، بغية الملتمس ٢٦٥ رقم ٦٩٢، خريدة القصر - قسم المغرب ٢/ ٥٩٦.
(٣) هذه السجعات يظهر أنها من صنعة ابن فضل الله. وإلا فالذي في قلائد العقيان» (ص ٢٤٢ و ٢٤٣) وفي «نفح الطيب» (١/ ٤٣٥ من طبعة أوربة) يخالفها، وهما متخالفان أيضًا في بعض الألفاظ.
(٤) هنا سجعات أغفلها مؤلفنا. (زكي).
(٥) في القلائد وفي النفح: تحت. (زكي).
(٦) لسب: بمعنى لدغ. (زكي).
(٧) هو المعروف الآن عند أهل اسبانيا باسم. Aljarafe (زكي).

<<  <  ج: ص:  >  >>