والبيوت والأسواق. وفيه ما ليس في غيره من كثرة الأئمة والقراء، ومشايخ العلم والإقراء، ووجوه أهل التصدير والإفتاء، ووظائف الحديث وقراء الأسباع والمجاورين من ذوي الصلاح. فلا تزال أوقاته معمورة بالخير، آهلة بالعبادة. قَلَّ أن يخلو طرفة عين في ليل أو نهار من مُصلِّ، أو جالس في ناحية منه لاعتكاف، أو مرتل القرآن، أو رافع عقيرته بأذان، أو مكرر في كتاب علم، أو سائل عن دين، أو باحث في معتقد، أو مقرّر لمذهب، أو طالب لحل مشكل: من سائل ومسؤل، ومفتٍ ومستفت. هذا إلى من يأتي هذا المسجد مستأنسا لحديث، أو مرتقبا لقاء أخ، أو متفرجا في فضاء صحنه وحسن مرأى القمر والنجوم ليلا في سمائه. هذا إلى فسحة الفضاء وطيب الهواء وبَرْد رُواقاته، أوقات الهجير؛ وحسن مَرَائِي ميازيبه أحيان المطر. وفي كل ناحية من وجهها قمر.
وعلى هذا الجامع من الوظائف المرتبة ما لا يَسْتَقِلُّ به إلا ديوانُ مَلكِ؛ وعليه جلائل الأوقاف. إلا أن الأيدي العادية قد استولت على كثير منه لسبة الأكابر والمناصبات، وغير ذلك مما عُمل عليه على سبيل النَّصَبَات.
وقد أضيف إليه وقف المصالح، وقد كان أفرد زمن نور الدين، ﵀. وهو لا يجاوز تسعين ألفا في السنة. جُعل لها مصارف أخذ بحجتها كل مال المسجد وغُلَّ بالباطل ورتب منه لغير ذوي الاستحقاق. وحُمِّل حتى كلَّ مَطَاه، وأُخِذتْ حتى قَصُرَتْ خطاه. وها هو الآن قد اختلت أحواله، وأكلت وشُربت أمواله. وأصبح نَهْبا مُقَسَّما، وسَوَاما صِيحَ في حَجَراته. وآل حال مباشريه إلى أسوأ الحال وشر المآل.
وكانوا غياثًا ثم أَضْحَوْا رَزِيَّةً … ألا عَظُمَتْ تلك الرزايا، وجَلَّتِ!
وقد اتفقت كلمة السفار في الآفاق إلى أنه فرد في محاسنه، بديع في نظرائه.
[مقام إبراهيم ببرزة]
روى مكحول عن ابن عباس، قال: وُلِدَ إبراهيم بغوطة دمشق في قرية يقال لها بَرْزَةُ، بجبل قاسيون.
وعن حَسَّان بن عطية قال: أغار ملك نَبَط هذا الجبل على لوط فسباه وأهله. فأقبل إبراهيم في طلبه في عدة أهل بدر: ثلثمائة وثلاثة عشر. فالتقى هو وملك الجبل في صحراء يعفور. فعبى إبراهيم ميمنةً وميسرةً وقلبا. وكان أوّل من عبّى الحرب هكذا. فالتقوا. فهزمه إبراهيم واستنقذ لوطا وأهله. فأتى هذا الموضع الذي ببرزة، فصلى فيه.
وروى أحمد بن حميد بن أبي العجائز عن أبيه عن شيوخه، إن الأثارات التي في