تسافر؟ وأنت تريد تتزوج بامرأة من نسل الرسول وتُرزق منها أربعة أولاد. وأقام الشيخ إبراهيم أصابع يده اليمنى الأربعة، وضم الإبهام إلى باطن كفه، يحكيه. قال الشيخ إبراهيم: فكان كما ذكر موسى ﵇. فلم يسافر والدي، وتزوج بامرأة شريفة، وهي أمي. ورزق أربعة أولاد، أنا أحدهم. ولما حضرته الوفاة، قلت له: يا سيدي أنت راض عني؟ فقال: كيف لا أرضى عنك، وقد بشرني بك موسى ﵇(١).
* * *
[مسجد دمشق]
مسجد عظيم (٢)، ومعبد قديم. لا يُعرف على الحقيقة بانيه ولا زمن بنائه. فتح المسلمون الشام، وهو كنيسة لأهل دمشق يُتعبد فيها، زمن الروم. وقد كان قبلهم معبدًا لأمم مختلفة. وتزعم الكلدانية أنه من بنائهم، وأنهم بَنَوْه فيما بَنَوْا من الهياكل السبعة التي اتخذوها للكواكب السبعة. جعلوه بيتا للمشتري. قالوا ولهذا استمر التعبد فيه إذ كان المشتري طالع الديانات والتأله. هذا ما زعموه.
وقال عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيْم: حيطان مسجد دمشق الأربعة من بناء هود وما كان من حدّ الفسيفساء إلى فوقُ، فهو من بناء الوليد.
وقال الوليد بن مسلم (٣): لما أمر الوليد بن عبد الملك ببناء مسجد دمشق، وجدوا في حائط المسجد القبلي لوحا من حجرٍ، فيه كتابُ نَقْشِ. فأتوا به الوليد. فبعث إلى الرُّوم فلم يستخرجوه. فدُلَّ على وهب بن منبه. فأقدمه عليه؛ فأخبره بموضع ذلك اللوح. ويقال ذلك الحائط من بناء هود ﵇، فلما نظر إليه وهبٌ، حَرَّك رأسه. ثم قرأه، فإذا هو:
«بسم الله الرحم الرحيم. ابن آدم! لو نظرت يسير ما بقي من أجلك، لزهدت في طول ما ترجو من أملك! وإنما تلقى ندمك، لو قد زلَّتْ بك قدمك، وأسلمك اهلك وحشمك، وانصرف عنك الحبيب، وودعك القريب، ثم صرت تُدعى فلا تجيب! فلا أنت إلى أهلك عائد، ولا في عملك زائد. فاعمل لنفسك قبل يوم القيامة، وقبل الحسرة والندامة، وقبل أن يحل بك أجلك، وتنتزع منك روحك! فلا ينفعك مال جمعته، ولا
(١) بعد هذا بياض بمقدار ثلاثة عشر سطرًا. (٢) من هنا النقل بتصرف من تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر. (٣) تاريخ دمشق ٢/ ٩.