للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[مسجد قرطبة]

مسجد عظيم ليس في مساجد المسلمين مثله بنية وتنميقا، وطولا وعرضا.

وطول هذا الجامع مائة باع مرسلة، وعرضه ثمانون باعا.

ونصفه مسقف، ونصفه صحن للهواء.

وعدد قسي مسقفه تسعة عشر قوسًا. وفيه من السواري (أعني سواري مسقفة بين أعمدته وسواري قبلته - صغارًا وكبارًا - مع سواري القبة الكبرى وما فيها) ألف سارية.

وفيها ثريات كبيرة للوقيد. منها واحدة يوقد فيها ألف مصباح. وأقلها تحمل اثني عشر مصباحًا.

وسقفه كله سماوات خشب مسمرة في جوائز سقفه. وجميع خشب هذا الجامع من عيدان الصنوبر الطرطوشي. ارتفاع الجائزة منها شبر في عرض شبر إلا ثلاثة أصابع.

وطول كل جائزة سبعة وثلاثون شبرا. وبين الجائزة والجائزة غلظ جائزة. والسماوات المذكورة كلها مسطحة: فيها ضروب صنائع من الضروب المسدّسة والمُدَرَّب وهو صنعة الفص وصنعة الدوائر والمداهن لا يشبه بعضها بعضا بل كل سماء منها مكتف بما فيه من صنائع قد أُحكم ترتيبها وأبدع تلوينها بألوان حمرة الزنجفرية والبياض الإسفيداجي والزرقة اللازوردية والزرنوق الباروتي والخضرة الزنجارية والتكحيل النفسي. تروق العيون وتستميل النفوس: بإتقان ترسيمها، ومختلفات ألوانها وتقسيمها.

وسعة كل بلاط من بلاط مسقفه ثلاثة وثلاثون شبرا. وبين العمود والعمود خمسة عشر شبرا.

ولكل عمود منها رأس رخام وقاعدة. وقد عُقد بين العمود والعمود على أعلى الرأس قسي غريبة عليها قِسِي أخر، على عمد من الحجر المنحوت، متقنة.

وقد جُصِّصَ الكل منها بالجص والجَيَّار. ورُتبت عليها نجور مستديرة، ثابتة بينها ضروب صناعات الفص بالمُغْرة. وتحت كل سماء منها إزار خشب.

ولهذا المسجد الجامع قبلة تعجز الواصفين أوصافها. وعلى وجه المحراب سبع قسيّ قائمة على عمد طول كل قوس منها أشف من قامة، وكل هذه القسي مزجّججة بصبغة القوط. قد أعيت الروم والمسلمين بغريب أعمالها ودقيق تكوينها ووضعها. وفي عضادتي المحراب أربعة أعمدة: اثنان أخضران، واثنان زرزوريان لا تقوم بمال.

ومع يمين المحراب المنبر الذي ليس بمعمور الأرض مثله صنعةً. خشبه آبنوس

<<  <  ج: ص:  >  >>