«وذَرْعُ ما بين الحجر الأسود والصفا مائتا ذراع واثنان وستون ذراعًا».
ومن الميل الأصفر إلى الميل الأخضر الذي بإزاء دار جعفر بن العباس، وهو موضع الهرولة، مائة وخمس وعشرون ذراعًا.
ومن الميل الثاني إلى المروة أربعمائة وخمس وسبعون ذراعًا.
فجميع ما بين الصفا والمروة سبعمائة وثمانون ذراعًا.
* * *
[دار الندوة]
قال الماوردي (١): لم تكن مكة ذات منازل. وكانت قريش، بعد جُرْهُم والعمالقة، ينتجعون جبالها وأوديتها. ولا يخرجون من حَرَمها انتسابا إلى الكعبة لاستيلائهم عليها، وتخصيصها بالحرم لحلولهم فيه. ويرون أن ذلك يكون لهم بسببه شأن. وكان كلما كثر فيهم العدد ونشأت فيهم الرياسة، قوي أملهم وعلموا أنهم سيقدمون على العرب. وكان فضلاؤهم يتخيلون أن ذلك لرياسة في الدين وتأسيسًا لنبوّة ستكون. فأوّل من ألهم ذلك منهم كعب بن لؤي بن غالب. وكانت قريش تجتمع إليه في كل جمعة. وكان يخطبهم فيه، ويذكر لهم أمر نبينا ﷺ.
ثم انتقلت الرياسة إلى قُصَيّ بن كلاب، فبنى بمكة دار الندوة ليحكم فيها بين قريش؛ ثم صارت لتَشَاوُرِهم وعَقْدِ الألوية في حروبهم. وكانت هذه الدار، لا ينكح رجل من قريش ولا امرأة إلا فيها؛ ولا يُعقد لواء الحرب لهم ولا لغيرهم إلا فيها، ولا يُعذر غلام إلا فيها، ولا تُدَرَّع جارية من قريش إلا فيها: يُشق عليها درعها ثم تُدرّع وينطلق بها إلى أهلها؛ ولا تخرج عِيرٌ من قريش ويرحلون إلا منها، ولا يقدمون إلا نزلوا فيها.
قال الكلبي (٢): «وكانت أوّلَ دار بنيت بمكة، ثم تتابع الناس فَبَنُوا الدور. كلما قربوا من الإسلام ازدادوا قوة وكثرة عدد حتى دانت لهم العرب».
قال الماوردي (٣): صارت بعد قصيّ لابنه عبد الدار. فابتاعها معاوية في الإسلام من عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، وجعلها دار الإمارة.