قال السهيلي: روي في التفسير أن الله تعالى لما قال للسموات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (١) لم يجبه بهذه المقالة من الأرض إلا أرض الحرم.
فلذلك حرمها. فصارت حرمتها كحرمة المؤمن: إنما حَرُم دمه وعرضه وماله، بطاعته لربه. وأرض الحرم لما قالت: «أَتَيْنَا طَائِعِينَ» حُرِّم صيدها وشجرها وخلاها، إلا الإذخر؛ فلا حرمة إلا لذي طاعة. جعلنا الله من أهل طاعته!
وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن هذا البلد حرَّمه الله يومَ خَلَقَ السماواتِ والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يُعْضَد شجره ولا يُنَفَر صَيْدُه ولا يختلي خلاه».
وما زال الناس في الجاهلية والإسلام يعظمون هذا الحرم ويجتنبون قطع شجره.
قال الواقدي (٢): لما أن أرادت قريش البنيان، قالَتْ لقُصيّ: «كيف نصنع في شجر الحرم؟ فحذرهم قطعها وخوفهم العقوبة من ذلك. فكان أحدهم يُحَرِّف بالبنيان حول الشجرة، حتى تكون في منزله».
قال: وأوّل من ترخص في قطع شجر الحرم، عبد الله بن الزبير.
قال السُّهَيْلي (٣): ابتنى ابن الزبير دورا بقعيقعان وترخّص في قطع شجر الحرم، وجعل دية كل شجرة بقرة. وكذلك رُوِيَ عن عمر أنه قطع دَوْحة كانت في دار أسد بن عبد العُزّى، وكانت أطرافها تنال ثياب الطائفين بالكعبة. وذلك قبل أن يُوَسّع المسجد.
فقطعها ووداها ببقرة.
عرفات (٤)
مُلْتَقى الخليطين من شام وَيَمن، ومجمع البحرين من الزعقة إلى عدن. به يتجلى الله على عباده ويهبهم المغفرة. وبها الصخرات، موقف رسول الله ﷺ حيث تقف المحامل.
وعلى قنة هذا الجبل قبة آدم. هكذا تُسمّى.
ويقال: إن هناك تعارف آدم وحواء، بعد أن أهبطا.
وعرفات علم للموقف. سُمِّيَ بجمع، كأذرعات.
(١) سورة فصلت: الآية ١١.
(٢) الروض الأنف ١/ ١٤٩ - ١٥٠.
(٣) الروض الأنف ١/ ١٥٠.
(٤) حول عرفات والمواقع التي تليها، انظر: أخبار مكة ٢/ ١٨٧ - ١٨٩، شفاء الغرام ١/ ٣٠٣ - ٣٠٦. وغيرهما من الكتب التي تعرضت لتاريخ البلد الحرام.