هذا فصل قصدنا إفراده، لنزيده وضوحًا، وسنذكره جملة وتفصيلًا، ونستطرد في ذلك ذكر الجبال، والأنهار والبحيرات والمساجد الثلاثة، ما يندرج معها، وذكر جُمَل من الآثار القديمة.
فنقول، وبالله التوفيق:
إنه لما كانت الأرض وما عليها من المركبات من الطبائع الأربع، وهي: التراب والماء، والنار، والهواء، نظرنا إلى تلك المركبات، فوجدنا ما غلب عليه عنصر الهواء (كالطير) فكان في الهواء مقرّه؛ وما غلب عليه عنصر الماء (كالسمك) فكان في الماء مقره. ووجدنا الطير، وإن طلب مركزه المركب منه أكثر أجزائه وهو الهواء، والسمك وإن طلب مركزه المركب منه أكثر أجزائه وهو الماء، لم نجد واحدًا منهما ولا شيئًا من الحيوان مطلقا يطلب النار ويُمَاسُّها (١)، إلا السَّمَنْدَر (٢) وهو نادر. ووجدناه يطلب الأرض ويُمَاسُّها كالطير إذا حطَّ إلى الأرض، والحوت إذا أوى بيته. فعلمنا حينئذ أنهما من لوازم الأرض.
فبالأولى أن يكون من لوازمها، ما غلب على عنصر التراب، كالإنسان. ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥](٣).
فغلب حكمها على بقية العناصر، في خلق الإنسان، فقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ إشارة إلى التراب؛ وجعلها البداية والنهاية، قال:«مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ». ثُمَّ أَكَّد لها التغليب على بقية العناصر الثلاثة التي لا تقوم المركبات إلا بها، بقوله: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾. فجعل منها النشأة الأولى في أوّل الخلق؛ والثانية في المعاد، وما بينهما، وهو: الموت.
فإن اعترض، معترض، بالسمندر وأنه يأوي النار، قلنا: هذا شاذ نادر. والشاد النادر لا حكمه.
وإذ قد تبين أن التراب في تركيب الإنسان أكثر، علمنا أنها مركزه: منها الميلاد، وإليها المعاد.
فعلمنا ضرورةً أن الأرض أم البشر. أخرجهم من بطونها، فكانوا كالولدان لها.
(١) في الأصل: «ولا يماسها»، والظاهر أن زيادة (لا) سبق قلم. (زكي). (٢) صوابه: «السمندل»: وهو طائر بالهند لا يحترق بالنار القاموس المحيط مادة (السمنة). (٣) سورة طه: لآية ٥٥.