وقوت المولود ثدي الأم، وهو: ما أخرجَتْ لنا من نباتها.
فعلم حينئذ أن نوع الإنسان من لوازمها، بطلب مركزه منها: لما فيه من ثقل التركيب بها. إلا ترى أن النار ولو عُكِست، أبَتْ إلا طلب العُلُوّ: تطلب مركزها؛ والقربة المنفوخة التي قُسِرت بقاسِرٍ يدخلها الماء إذا أُطلقت، طَلَبَ الهواء المملوءة به العلو: يطلب مركزه؛ والماء لا يجري إلا من العالي إلى المنخفض من الأرض يطلب مركزه. وكذلك التراب، حيثُ رميت به الجوّ، ينحط إلى الأرض: يطلب مركزه.
فهكذا الإنسان: لا يطلب إلا مركزه، وهو التراب: إذا كان أكثر أجزائه من التراب وإلى هذا أشار الشريف بقوله (١): «والنسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفّة، والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثقل». وقد ذكرناه آنفا.
ولهذا لم يقدروا في المركبات وجود الاعتدال الكامل المتساوي في أجزاء التركيب: إذ لو كانت كذلك، لجذبتها العناصر الأربعة، جذبا متساويًا. فلم يكن له مركز خاص. وذلك محال.
وأقل أجزاء العناصر في الحيوان غالبًا، النار. ثم يتفاوت الحيوان في ذلك.
ولهذا لا تقوى [الحيوانات] على النار قُوَّتها على الماء والتراب والهواء. ثُمَّ بتفاوت الحيوان في ذلك، مَالَ كُلُّ إلى ما غلب على تركيبه. ولا يهاب الحيوان شيئًا يقتحمه، كما يهاب اقتحام النار. ولهذا كانت النار العذاب الموعود به: لمنافرة ما بينها وبين الحيوان، لقلة موجودها به في جزء التركيب - كما أشرنا إليه - والله يفعل ما شاء لاراد الأمره، ولا معقب لحكمه.
فلما كان الإنسان - بما غلب على تركيبه - أرضيًا ترابيًا، من الأرض مبدؤه، وإليها معاده؛ ثُمَّ منها عوده، كما قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ اضْطُرَّ إلى مركزه، واحتاج إلى الاضطراب في أرجاء الأرض، للكسب: إما للصيد، وهو أوّل رُتب المعاش؛ أو الزراعة، وهي ثاني المعاش؛ أو التجارة، وهي ثالث رتب المعاش، على ما يأتي بيانه. فلم يكن له غنى عن معرفة جهات الأرض، ليمتد فيها لأسباب معاشه، فيما ذكرناه أو غير ذلك، مما يتفرع منه أو يترتب عليه.
زعموا أنه لو وقع إنسان إلى برية يهماء (٢)، لا ساكن بها، لم يكن له دأب إلا
(١) نزهة المشتاق ١/ ٧. (٢) اليهماء: الفلاة التي لا يهتدي فيها. (القاموس المحيط، مادة «الهيم»).