وحكى علي بن ظافر أيضًا. قال (١): أخبرني [أبو عبد الله بن المنجم الصواف، بما معناه قال: صعدتُ إلى سطح الجامع بمصر في آخر شهر رمضان مع جماعة. فصادفت به الأديب الأعز أبا الفتوح بن قلاقس ونشو الملك علي بن مفرج بن المنجم وابن مؤمن وشجاعًا المغربي في جماعة من الأدباء فانضفت إليهم. فلما غابت الشمس وفاتت، ودُفِنَتْ في المغرب حين ماتت، وتطرّز حداد الظلام بعلم هلاله، وتحلّى زنجي الليل بخلخاله، اقترح الجماعة على ابن قلاقس وابن المنجم أن يعملا في صفة الحال. فأطرق كل منهما مفكرا، وميز ما قذفه إليه بحر خاطره من جواهر المعاني متخيرا. فلم يكن إلا كرجع الطرف، أو وثبة الطرف، حتى أنشدا.
فكان ما صنعه نشو الملك (٢): [من الخفيف]
وعَشِي كأنما الأفق فيه … لا زُوَرْد مُرصّع بنضار
قلتُ لَمَّا دَنَتْ لمغربها … الشمس ولاحَ الهلال للنُّفَّارِ
لا تظن الظلام قد أخذ الشمس … وأعطى النهار هذا الهلالا
إنما الشرق أقرضَ الغَرْبَ دينا … رًا فأعطاهُ رَهْنَه خَلْخالا
قال: وهذا مما تواردت في معناه الخواطر. وقطعة ابن المنجم أحسن من قطعة الأعز أبي الفتوح بن قلاقس: لتنصيفه السوار. وعلى كل حال فقد أبدعا، ولم يتركا للزيادة في الإحسان موضعا] (٣).
(١) بدائع البدائة ص ١٢٩، وفيه زيادة ونقص عن ابن فضل الله، وقد جمعت بين الروايتين. (زكي). (٢) نشو الملك، أو نشو الدولة، أحمد بن عبد الرحمن بن علي بن المبارك السلمي، أبو الفضل، شاعر من دمشق، من بني نفاذة، محب للفضل، حريص على تحصيله، له ديوان شعر وآخر للرسائل، تولى الإشراف على الهري بالقلعة. وله مدائح كثيرة في السلطان صلاح الدين وأولاده، وأخيه العادل وجماعته. توفي سنة ٦٠١ هـ عن ستين سنة. ترجمته في: الوافي بالوفيات ٧/ ٣٩ - ٤٤ رقم ٢٩٧٤، الخريدة - قسم الشام ١/ ٣٢٩ - ٣٣٤. الروضتين ٢/ ١١، ٢٠٩. (٣) ما بين المعقوفتين من هامش الأصل.