للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولد ولدته، ولا أخ تركته! ثم تصير إلى برزخ المثوى، ومجاورة الموتى. فاغتنم الحياة قبل الموت، والقوّة قبل الضعف، والصحة قبل السقم، قبل أن يؤخذ بالكظم، ويحال بينك وبين العمل! وكتب في زمان سليمان بن داود ».

ولما فتح المسلمون دمشق - على ما يأتي ذكره، إن شاء الله تعالى - دخل أمير الجيش أبو عبيدة بن الجراح بالأمان من غرب البلد، ودخل خالد بن الوليد بالسيف من شرقه.

فكانت دمشق نصفين. والكنيسة كذلك. فاتخذوا منها النصف الشرقي المفتوح عنوةً، مسجدًا يصلُّون فيه. وتصلّي النصارى في النصف الآخر. فتأذى المسلمون لمجاورة النصارى لهم في مكان تعبدهم، وكرهوا قرع النواقيس بإزائهم. واشتدّ ذلك على الوليد بن عبد الملك. وكان مُغْوًى في سلطانه بعمارة المساجد وبناء المعابد. فأعطى رجلا ديته حتى أتى القسطنطينية. ودهل في زي النصارى كنيستها العظمى يوم الأحد، والملكُ فيها فَمَنْ دونه. فلبث حتى رأى أن جمعهم قد استكمل. ثم قام فأذن.

فأخذ وأحضر لدى الملك، وقد جلس إلى جانبه البطريرك، واستدارت بهما القسوس والشمامشة. فقال له الملك: من أنت وما حملك على ما صنعت؟ فقال: أما أنا، فرجل من المسلمين من أهل دمشق؛ وأما ما حَمَلني على ما صنعت، فأنشدك الله، أيها الملك: هل ساءك ما فعلته وكرهته أم لا؟ فقال: نعم. فقال: ونحن في معبد في شطره النصارى، نسمع نواقيسهم، ونساء بمجاورتهم. فأراد أمير المؤمنين أن يعرفك أننا نساء بذلك، كما ساءكم ما فعلتُ. فخلّى عنه، وكانوا قد هموا بقتله. ثم قال له: صالحونا على عِوَض. فصولحوا عنه بنصف كنيسة مريم، وكانت شطرين.

ثم شرع الوليد بن عبد الملك في تحسين بنائه وتحصين فنائه. أبقى منه ما أبقى، وجدد ما جدد.

وقال إبراهيم بن عبد الملك بن المغيرة المقرئ (١): حدثني أبي عن أبيه المغيرة، أنه دخل يوما على الوليد بن عبد الملك فرآه مغمومًا. فقال: يا أمير المؤمنين ما سبيلك؟ فقال: يا مغيرة إنّ المسلمين قد كثروا، وقد ضاق بهم المسجد. وقد بعثتُ إلى هؤلاء لندخل كنيستهم في المسجد، فأبوا. وقد أقطعتهم قطائع كثيرة وبذلتُ لهم مالًا، فامتنعوا. قال: لا تغتم يا أمير المؤمنين قد دخل خالد من الباب الشرقي بالسيف، ودخل أبو عبيدة من باب الجابية بالأمان. فماسحهم أي موضع بلغ السيف،


(١) تاريخ دمشق ٢/ ٢٣ - ٢٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>