ذوائب لجتْ في عُلُو كَأَنَّمَا … تحاول ثأرًا عند بعض الكواكب
وعلت في الجو كأنها أعلام ملائكة النصر، وكان الواقف في الميدان يراها وهي ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ (١)؛ فكم زُمَرٍ «أضحت لذلك «الدُّخان»«جائية». وكم نفس كانت في النازعات وهي تتلو ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (٢)؟ ولم تزل النار تأكل ما يليها، وتفنى ما يستقلها ويعتليها؛ إلى أن ارتفعت إلى المنارة الشرقية، ولعبت ألسنتها المسودة في أعراض أخشابها النقية؛ وثارت إليها من الأرض لأخذ الثار، وأصبح صَخْرها كما قالت الخنساء: كأنه عَلَم في رأسه نار» (٣). فنكست وكانت للتوحيد سبّابة، ولمعبدها المطرب شبابة؛ وابْتُلِيَ رأسها من الهدم والنار بشقيقه، وأدار الحريق على دائرها رحيقه:[من المتقارب]
وبالأرض من حبها صفرة … فما تُنْبت الأرض إلا بهارا
وأصبح «باب الساعات» وهو من آيات الساعة، وخلت مصاطب الشهود من السنة والجماعة؛ وعادت الدهشة، وقد آل أمرها إلى الوحشة؛ وحسنها البديع وقد ثَلَّتِ النار عرشه. كأن لم أرَ بها سميرا، ولا شاهدتُ من بنائها وقماشها جنَّةً وحريرا».
وقال جمال الدين عبد الله بن غانم، من كتاب عن كافل الشام، تنكز ﵀ إلى نائب طرابلس في هذه الواقعة.
«وأضحى «فَمُ الفوّارة» يصاعد جمرات أنفاس، و «سوق النحاسين» يُرسل منه إلى سور الجامع «شُوَاظٌ مِنْ نارٍ ونُحاس»؛ وأقعد «بيت الساعات» إلى قيام الساعة، ودخل إلى باب الجامع لكن لغير طاعة؛ وكاد يُصلّى مَنْ به يُصَلِّي، ويُقبل على صف العابدين فيُوَلِّي. واهتزت المأذنة بحُمَّى نافض، وتشعث وجه المشهد الأبي بكري فكأنما أصابته عين الروافض؛ وترقرقت عيون العابدين من الألم، ورق صحن الجامع لمأتم هداة الساجدين من المأذنة بنار على عَلَم؛ وما زالت مرآة اللهب حتى خربت المنار، ووصف بعد ذلك في صحن الجامع ما فضل عن أكل النار».
قلت: وهذا المسجد معمور بالناس كل النهار وطَرَفِي الليل؛ لأنه ممر المدارس
(١) سورة المرسلات: الآية ٣٢. (٢) سورة الغاشية: الآية ١. (٣) عجز بيت للخنساء، صدره: وإن صخرًا لتأتم الهداة به انظر الديوان، ط دار صادر ٤٩.