وحجارتها مفخرة مفطرة. فوقف عليها الحكام، وقامت البيّنة بالضرورة الداعية إلى نقض المنارة وتجديد بنائها. فنقضت جُدُرها الأربعة إلى حد أوتار الرواق القبلي، ونقض الجدار القبلي والجدار الشرقي إلى الأرض، وحفر ما بين الجدران في وسط المنارة عدة قامات. وبني ذلك لَبِنةً واحدة، وبنيت المنارة بنيانا جليلا لم يُبن من زمن الوليد أجل منه ولا أوثق.
وقال الفاضل صلاح الدين أبو الصفاء الصفدي (١) من مقامة أنشأها في الحريق المذكور، من فصل يتعلق بالجامع:
فسألت الخبر، ممن غبر، فقال: إن الحريق وقع قريبا من الجامع، وانظر إلى شَبَح الجو كيف انتشرت فيه عقائق اللهب اللامع! فبادرت إلى صحنه والناس فيه قطعة لحم، والقلوب ذائبة بتلك النار كما يذوب الشحم؛ ورأيت النار، وقد نشرت في حداد الظلام مُعَصْفَراتِ ذوائبها، وصعدت إلى السماء عذباتِ ذوائبها:[من الطويل]
(١) خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي، صلاح الدين أديب، مؤرخ كثير التصانيف الممتعة. ولد في صفد (بفلسطين) سنة ٦٩٦ هـ/ ١٢٩٦ م وإليها نسبته. وتعلم في دمشق فعاني صناعة الرسم فمهر بها، ثم ولع بالأدب وتراجم الأعيان وتولى ديوان الإنشاء في صفد ومصر وحلب، ثم وكالة بيت المال في دمشق، فتوفي فيها سنة ٧٦٤ هـ/ ١٣٦٣ م. له زهاء مئتي، مصنف، منها «الوافي بالوفيات - ط»، في التراجم و «الشعور بالعور - خ» في تراجم العور وأخبارهم، و «نكت الهميان - ط» ترجم به فضلاء العميان، وألحان السواجع - ط رسائله لبعض معاصريه، رتب أسماءهم على حروف المعجم، عندي نسخة منه و «التذكرة - خ» مجموع شعر وأدب وتراجم وأخبار، كبير جدًا، جاء في تعليقات الميمني أن منه أحد عشر جزءًا في مكتبة البساطي بالمدينة (رقم ١٦٥ - ١٧٥ أدب) و «الغيث المسجم في شرح لامية العجم - ط» في الأدب، و «نصرة الثائر - خ» في نقد المثل السائر، و «تشنيف السمع في انسكاب الدمع - ط» و «دمعة الباكي - ط» و «أعيان العصر - ط» في التراجم، كبير و منشآته - خ جزء، و ديوان الفصحاء - خ مجموع في الأدب، وتمام المنون في شرح رسالة ابن زيدون - ط وهي غير الرسالة التهكمية التي شرحها ابن نباتة، و «جلوة المذاكرة - خ» في الأدب و «المجاراة والمجازاة - خ» و «فض الختام في التورية والاستخدام - خ» و «تحفة ذوي الألباب فيمن حكم دمشق من الخلفاء والملوك والنواب - ط» ورسائل، منها: «الروض الباسم - خ» و «الحسن الصريح في مئة مليح - ط» و «قهر الوجوه العابسة بذكر نسب الجراكسة - ط» و «الوصف والتشبيه - خ و وصف الهلال - ط» و «وصف الحريق - ط» و «كشف السر المبهم في لزوم ما لا يلزم - خ» ذكره عبيد، و غوامض الصحاح، الأسكوريال (الرقم ١٩٢). وله شعر فيه رقة وصنعة. ترجمته في: الدرر الكامنة ٢/ ٨٧ وطبقات الشافعية ٦/ ٩٤ وآداب اللغة ٣/ ١٦١ ومجلة المجمع العلمي العربي ٥/ ٤٤٥ ثم ١٦ و ٣٨ والوافي بالوفيات ١/ ٢٤٩ الحاشية، والفهرس التمهيدي ٢٧١ و ٤٤٥ و ٥٦٤، الأعلام ٢/ ٣١٥ - ٣١٦.