والقلعة فيها مساكن لأكابر الأمراء ومن كبر من أمراء الطبلخانات والعشرات، أو من خرج عن حكم الخاصكية إلى طبقة البرانيين، ودار الوزارة، ودار كاتب السر، وديوان الإنشاء، وديوان الجيوش، وديوان الأموال، والنقباء، والزردخاناه (١) يجري هذا المجرى، مقسمة المساكن، وفيها المساجد والحوانيت والأسواق في جهاتها. هذه جملة العمارة.
ثم نذكر بقية ما يتعلق بالقصر السلطانية فنقول: إنه ينزل منه من جانب إيوان القصر إلى الإصطبلات السلطانية، ثم إلى ميدان ممرج بالنجيل الأخضر، فاصل بين الإصطبلات وبين سوق الخيل في غربيه، فسيح المدى يسافر النظر في أرجائه. يركب السلطان من درج يلي قصره الجواني وينزل إلى الاصطبل الخاص، ثم إليه راكبًا وخواص الأمراء في خدمته لعرض الخيول في أوقات الإطلاق أو قبول القادم أو المشتري، وفي أوقات طعم الطير. وربما وقف به راكًا، وربما نزل فيه ولم ينصب عليه خيام، وربما نصب عليه الخيام إذا طال مكثه وكان زمان حر أو برد وربما مد به السماط، ثم يطلع راكبًا إلى قصره.
وبهذا الميدان أنواع من الوحش المستحسن للنظر، وتربط به خواص الخيول للتفسح. وفي هذا الميدان يصلي السلطان وخواصه ومن لا يقدر يفارقه من ذوي الخدم صلاة العيدين، ونزوله إليه وطلوعه منه من باب خاص من دهليز القصر غير هذا المعتاد النزول منه لما قدمنا ذكره.
وللسلطان عدة أبواب سر إلى القرافة وإلى غيرها لا حاجة بنا إلى ذكرها.
قلت: هذه القصور والإيوان الكبير، والميدان الأخضر، والجامع، وغالب العمائر الضخمة بالقلة والقلعة عمارة هذا السلطان (٢) وبناؤه مطرزة الطرز فيها بألقابه واسمه، ترد الطرف كليلًا بأنوارها، وترف القلوب على ما يفتح من نفوس نوارها. تقر
(١) أى بيت الزرد، وهي الدروع وربما أطلق عليها السلاح خاناه. «نهاية الأرب ٨/ ٢٢٧ - ٢٢٨ و ٢٨٤، الصبح ٤/ ١١». (٢) عن منشأت السلطان الناصر محمد بن قلاوون راجع: كنز الدرر ٩/ ٣٨٨ - ٣٩١، السلوك ٢/ ٥٣٧ - ٥٤٥، والمجلة التاريخية المصرية ٩ - ١٠ (١٩٦٠ - ٦١) ٢٤١ - ٢٥٠، النجوم الزاهرة ٩/ ١٧٨ - ٢١٠، عبد الرحمن زكي: «أبو المحاسن وآثار القاهرة في عصر الناصر محمد في كتاب المؤرخ ابن تغري بردي» (القاهرة ١٩٧٤) ١٦٥ - ١٧٥.