فيقول: لا لبيك ولا سعديك، لا أسمع كلامك، ولا أنظر إليك، ثم مضى فما رأيته إلا في مِنى وهو يقول:
إن الحبيب الذي يرضيه سفك دمي … دمي حلال له في الحل والحرم
واللَّه لو علمت روحي بمن علقت … قامت على رأسها فضلًا عن القدم
بالآي لا تلمني في هواه فلو … عاينت منه الذي عاينت لم تلُم
ويطوف بالبيت قوم لو بخارجه … باللَّه طافوا لأغناهم عن الحرم
ضحى الحبيب بنفسه يوم عيدهم … والناس ضحوا بمثل الشاة والنعم
للناس حج وفي حج إلى سكني … تهدي الأضاحي وأهدي مهجتي (١) ودمي
ثم قال: اللهم إن الناس ذبحوا وتقربوا إليك، وليس لي شيء أتقرب به إليك سوى نفسي، فتقبلها مني، ثم شهق شهقة فخرَّ ميتًا، وإذا بقائل يقول: هذا حبيب اللَّه، هذا قتيل اللَّه، قتل بسيف اللَّه فجهزته وواريته، فرأيته في منامي فقلت: ما فُعل بك؟ قال: كما فُعل بشهداء بدر، قتلوا بسيف الكفار، وأنا قتلت بمحبة الجبار.
السابعة: قيل: لما وقف الشبلي بعرفات لم ينطق بشيء حتى غربت الشمس، فلما جاوز العلمين هملت عينه بالدموع، ثم أنشأ يقول:
أروح وقد ختمت على فؤادي … بحبك أن يحل به سواكا
فلو أني استطعت غمضت طرفي … فلم أنظر به حتى أراكا
وفي الأحباب مختص بوجد … وآخر يَدَّعي معه اشتراكا
إذا اشتبكت دموع في خدود … تبين من بكى ممن تَباكى
وكل يدَّعُون وصال ليلى … وليلى لا تُقرَّ لهم بذاكا
الثامنة: عن الجنيد قال: حججت على الوجدة (٢)، وجاورت بمكة، فكنت إذا دخلت الطواف وإذا بجارية تطوف وتقول:
يأبى الحب أن يخفى وقد كتمته … واضح عندي قد أباح وطنبا
إذا اشتد شوقي هام قلبي بذكره … وإن رمت قربًا من حبيب تقربا
ويبدو فأفنى ثم أحيا بذكره … ويسعدني حتى ألذ وأطربا
قال: فقلت لها: يا جارية أما تتقين اللَّه؛ في مثل هذا المكان تتكلمين بهذا
(١) المهجة من كل شيء: خالصه، ودم القلب والروح، جمعها: مهج.
(٢) وجد فلان وجدًا: حزن، ووجد به: أحبه، وتواجد: أي تظاهر بالوجد.