فعاتبهم طرفي بغير تكلم .... فأخبرهم أن الهوى يورث السقم
فبالحلم ياذا المَنِّ لا تبعد منى … وقرب من أرى منك يا باري (٦) النسم
قال: فقلت: أحسنت، لقد غلط من سماك مجنونا، فنظر إليَّ وبكى وقال: أَوَلَا تسألني عن القوم كيف وصلوا فاتصلوا؟ قلت: بلى أخبري، فقال: طَهَّرُوا الأخلاق، ورضوا منه بيسير الأرزاق، وهاموا من محبته في الآفاق، واتزروا بالصدق، وارَتَدَوْا بالإشفاق، وباعوا العاجل الفاني بالآجل الباقي، وركبوا في ميدان السباق، وشمروا تشمير الجهابذة (٧) الحذاق (٨) حتى اتصلوا بالواحد الرزاق، فشردهم في الشواهق (٩)، وغيبهم عن الخلائق، لا يأويهم دار، ولا يقر بهم قرار، فالنظر إليهم
(١) روى البخاري في صحيحه [٦٣٥١] كتاب الدعوات [٣٠] باب الدعاء بالموت والحياة، عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لا يتمنين أحد منكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنيًا للموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي". (٢) الكرى: النعاس، وجمعها: أكراء. (٣) موه الشيء: طلاه بفضة أو ذهب، وموه الحق لبسه بالباطل، يقال موه الحديث: زخرفه ومزجه من الحق والباطل، وعليه الخبر: أخبره بخلاف ما سأله عنه. (٤) وشى به إلى السلطان وِشَاية: نمَّ به وسعى، فهو واش، جمعها: وشاة، والوشاء: النمام والكذاب. (٥) خشم حشما: خجل، احتشم: استحيا. (٦) الباري: المخترع الموجد. (٧) الجهباذ، والجهبذ: النقاد الخبير بغوامض الأمور، جمعها: جهابذة. (٨) حذق فلان العمل: أوغل في ممارسته حتى مهر فيه، فهو حاذق، جمعها: حُذَّاق. (٩) شهق البناء والجبل ونحوهما شهوقًا: عظم ارتفاعه فهو شاهق، جمعها: شواهق.