واستنزلوا بعد عز من معاقلهم … واسكنوا جدثًا (١) يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ (٢) من بعد ما دفنوا … أين الأسرَّة والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت منعمة … من دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين سائلهم … تلك الوجوه عليها الدود يقتتل (٣)
قد طال ما أكلوا دهرًا وما شبعوا … فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا
الحادية عشر: عن الجنيد قال: دخلت الكوفة في بعض أسفاري فرأيت دارًا لبعض الرؤساء وقد شف عليها النعيم.
وعلى بابها عبيد وغلمان، وفي بعض رواشينها (٤) جارية تغني وتقول:
ألا يا دار لا يدخلك حزن … ولا يعبث بساكنك الزمان
فنعم الدار أنت لكل ضيف … إذا ما الضيف أعوزه (٥) المكان
قال: ثم مررت بها بعد مدة، فإذا الباب مسدود والجميع مبدَّد (٦)، وقد ظهر عليها كآبة (٧) الذُّل والهوان ولسان الحال ينشد:
ذهبت محاسنها وبان شجونها (٨) … والدهر لا يبقي مكانًا سالمًا
فاستبدلت من أُنسها بتوحش … ومن السرور بها عزاء دائمًا
قال: فسألت عن خبرها؟
فقيل لي: مات صاحبها، فآل أمرها إلى ما ترى.
فقرعت الباب الذي كان يقرع.
فكلمتني جارية بكلام ضعيف.
فقلت لها: يا جارية أين بهجة هذا المكان وأين أنواره وأين شموسه، وأين
(١) الجَدَث: القبر: جمعها: أجداث وفي القرآن الكريم: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ [يس: ٥١].
(٢) صَرَخ. صُراخًا، وصريخًا: صاح صياحًا شديدًا، واستغاث، والصَّارخ: المستغيث.
(٣) اقتتل القوم: قاتل بعضهم بعضًا: وتقاتل القوم: اقتتلوا.
(٤) الرَّوشن: الكوة والشرفة.
(٥) أعوز الشيء فلانًا: احتاج إليه، والدهر فلانا: أدخل عليه العوز، وعوز الرجل: احتاج واختلت حاله فهو أعوز، وهي عوزاء.
(٦) بدَّد الشيء: فرَّقه، وتبدَّد: تفرق.
(٧) كئب كآبة: تغيرت نفسه، وانكسرت من شدة الهم والحزن، فهو كئيب.
(٨) شَجِنَ. شجنًا: حَزِنَ، فهو شَجِنٌ.