وفي سنة ثمان وخمسين: مات المنصور، وهو المنصور بالله عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. (وكانت وفاته في هذه السنة لست خلون من ذي الحجة ببئر ميمونة)(٢). وكان (٣) قد خرج من بغداد للحج، فسار معه ابنه المهدي فقال له المنصور: إني ولدت في ذي الحجة، ووليت في ذي الحجة، وهجس في نفسي أني أموت في ذي الحجة من هذه السنة، وهو الذي حدا بي إلى الحج فاتق الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدي، ووصاه وصية طويلة، ثم ودّعه وبكيا، وسار إلى الحج. ومات (٤) ببئر ميمونة محرما في التاريخ الذكور، وكان مرضه القيام، وكان عمره ثلاثا وستين سنة، ومدة خلافته اثنتين وعشرين سنة وثلاثة أشهر وكسرًا، وكان المنصور اسمر نحيفًا، خفيف العارضين، ولد بالحميمة من أرض الشراة، ودفن بمقابر دار المعلى، وبقي أثر الاحرام، فدفن ورأسه مكشوف (٥).
ومما يحكى (٦) عنه في حجة. قيل: بينا الخليفة المنصور يطوف في بالكعبة ليلًا إذ سمع قائلًا يقول: اللهم إني اشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الطمع. فخرج المنصور ودعا القائل وسأله عن قوله، فقال: يا أمير المؤمنين إن أمنتني أنبأتك بالأمور على جليتها وأصولها، فأمنه، فقال: إن الذي دَخَلَهُ الطمع حتى حال بين الحق وأهله هو أنت يا أمير المؤمنين، فقال المنصور: ويحك، كيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في قبضتي، والحلو والحامض عندي؟ فقال الرجل: إن الله استرعاك المسلمين وأموالهم. فجعلت بينك وبينهم حجابًا من الجص والآجر وأبوابًا من الحديد، وحجابًا معهم الأسلحة، وأمرتهم أن لا يدخل عليك إلا فلان وفلان، ولم تأمر بإيصال المظلوم والملهوف ولا الجائع والعاري وما
(١) المختصر ٢/ ٧. (٢) ما بين القوسين شطب عليه في الاصل. (٣) الخبر في تاريخ الطبري ٨/ ١٠٥. (٤) من هنا يبدأ الشطب في الاصل. (٥) إلى هنا ينتهي الشطب في الاصل. (٦) النص في الاخبار الموفقيات ص ٣٩٢، وعيون الاخبار ٢/ ٣٣٣. وشرح نهج البلاغة ٥/ ٣٠٤، والعقد الفريد ١/ ٣٠٤، (طبعة أحمد أمين).