إلى الصاحب فخر الدين بن لقمان رئيس ديوان الإنشاء في ذلك الزمان، رسالةً بديعة تتعلق النفوس بلباناتها، وتفتق كمائمها عن باناتها.
ومنه قوله:
سيدنا - أبقاه الله منوطة به أسباب الرغائب، محوطة عليه سنيات المراتب، ملقى نواشيء الإسعاد من كل جانب، مفتاح حضرته التي هي حظيرة المكارم، وحاضر بحور العلوم الخضارم، يتزين لخطابها، ويعرض عقائل المجد على خُطابها، ثم معرفتها ذمة، والخلق منها مذمة، والتحلي بمواصلتها همة، ولا شك أن هذي الوسيلة قد بلغ لديها محلّة، وأن السؤدد الفخري يتمّ فيها الحج والعمرة لله، ولما ورد هذا الصقع متحليًا بهذه الصناعة، ومستبضعًا إليها عروض هذه البضاعة، عوّلت على أن أخاطب بلسانها، وأن توالي المطالب بإنسانها، فوجدتني أغتدي بها عن جناح مهيض وأتابع النظر بجفن غضيض. وكأنني أستنبط عنصرها في الأنباط، وأعرب بها بين الأسباط، إلى أن نمي إلى أن سيدنا سيد عصابتها، والرامي عن قوس إصابتها، وأن القلم الفخري له الفخر فيها والسيادة، ولإحسانه الحسنى وزيادة، فتنوره الأدب من أذرعاته، وعزم على أن يفيض من عرفاته، فهو أكرم من أن يسدّ عليّ باب الحظوة بمعرفته وعرفانه، أو يُظميني مع ما طاف بين الورى من طوفانه، فخاطبته مخاطبة من يهتدى بهديه، ويستنجح لسعيه، وأبى الاختيار إلا أن أقصده، وعزم علي الأدب إلا أن أنشده:
إني بحبلك واصل حبلي … وبريش مثلك واصل نبلي
لأتخذه ذريعة إلى النجح ونورًا أهتدي به إلى سورة الفتح، إذ كل من يستنصح لأيام النصح تجيب، وإن احتيج إليه فالحاجات عند أبي خبيب (١). وأما الآمال، فقد أطرتها بحراك، وأرسلتها فيه العراك ليُعمل فيها أيدي العون. ويكر فيها على الفساد بالكون، فتصرخ هي أيضًا بالثناء صراخ رافعي العقائر، وتعتد عليك ما يتضمن حمل المحامد من الضمائر. وإنما هي حظوة مجدٍ دعوت لها ساق حرّ، واستسعيت قدمها الأسمى لدفع ضر، فتنفصل بقدرٍ لا غض، وتعمل مقولًا لا فض، ليثني عليه الشاكر أطراف المحامد كما أثنى، ويأثر عنه أنه فعل وأفعل في اتفاق المعنى، وأنهى إلى علم سيدنا أنه فرطت في هذه السفارة فوارط لم تطل إليها يد استدراك، ولم يكن في عواقبها النظر الحرم كبير إدراك، لم توقعها خيانتي، ولم تنسب إلى تصريحي ولا كنايتي. فلما اصطليت بنار لم أشبها، ورميتُ بعلة لم أسطع أن أطبها.
(١) أبو خبيب، هو عبد الله بن الزبير بن العوام، وكان يوصف بالبخل.