للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مآثرهم على صفحات الأيام، كالغرر في وجوه الجياد، والأعياد في الأعوام.

ومنه قوله:

لا يستطعم ثمرة غرس ما لم تكن جنّى هذه الخمائل، ولا يرغب في زهرة حياة ما لم تكن من حلى الفضائل، إذ هذا الفن الأدبي متطفل على سواه، متوشّح بغيره من الفنون توشيح اللبلابة بالدوح، من أسفله إلى أعلاه، ولذلك احتجنا مع الاستطلاع من فنّه إلى مطالعة غيره من الفنون التي من جنانها مزج الصهباء بالماء، وعلقناها به تعلق الحروف بالأفعال وبالأسماء، ولم يزل جميعنا يدأب في جميع العرض من هذا الشأن، لا يعتري أحدًا منا كسل ولا سآمة، كلما احتضر الموروث أوصى الوارث في ذلك بعهد الإمامة، إلى أن أوقرنا ركائب الطلب حتى امتلأ الحوض وقال قطني، ونادى بلسان الضجر والانتهاء كفاني منكم وكفاكم مني، وهممنا فيما اجتمع مصرفه إلى الوصية الحكمية في تقييد العلم بالكتاب مجتهدةً في إقامة صورة تفنى صورنا وهو باق في الأعقاب، مقيد في ساعة ما جمعته متفرقات الأحقاب، لا سيما إذا تأنق في عرسه حتى ينتهي إلى إطعامه، وفي تغذيته ليشرف على فطامه، وأن له أن يخرج خروج البدر من ظلامه، ويبرز إبراز الدرّ من أصدافه والزهر من كمامه، رافلًا مع عتقه في حلية الشباب، مشبهًا المدام التي تجلت وهي عجوز بحلية الحباب، جنت له بالموارثة ثمرات الكتب ومحضت فيه بالمطاولة زبد الحقب، فلم تقصر يده عن عصر من الأعصار، ولا قصرت خطاه عن قطر من الأقطار، فجاء كتاب راحة قد تعبت فيه الأسماع والأبصار والأيدي والأفكار، وأفنيت على إظهاره إلى الوجود وظائف الإعمار، ولم يزل يقرن بسوادِهِ وبياضه سواد الليل وبياض النهار، جمعه بالموارثة في مائة وخمس عشرة سنة، ستة من أهل الاعتناء بالأدب، وتناسقوا في نظامه تناسق أنجم الثريا، وتنادموا على ريحانه بكؤوس الحمية لا بكؤوس الحميا، وما برحت نار القرائح تحمي لتخليصه، وصوائد الأذهان تذكى لتخليصه، حتى أبرزت حلاه الذهبية كالذهب الأبريز، ووقفت في موقف التبريز، وطبقته العلية أنه لم يورد فيه الأماكن بمنزلة الوسائط من العقود، والأعلام من البرود، والخيلان من الخدود، مما تحاكي شعشعة الشمس على صفحات الأنهار، ورقرقة الطل في لحظات الأزهار، قدود معان فصلت عليها ثياب ألفاظ، ومحاضرات تجري كالدهان على ألسن الحفاظ، بجد يتنزّل منزلة الكرام والعفاف، وهزل يحلّ منها محل الغنج من الظراف، ولما اكتمل شباب هذه الحسناء، وبرزت في حلل السناء، دعاها كمالها إلى أن تزف لمن يفترع منها بكرًا لم تعرض على خاطب، ولا عرّضت حيثما سلكت لأيدي

<<  <  ج: ص:  >  >>