للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بعيد، أو بسط ذراعيه بالوصيد، ثم اجتمع وانقبض، وتلمّض وانتفض، وتمطّر اختيالًا من الكسل، وكشف عن مثل أطراف الأسل، ثم تمشي الهوينا قليلًا قليلًا، ويطأ الثرى برفق كأنه آس يجس عليلا، وتارةً يتنصّب مقعيًا على ذنبه، متزحزحًا عن قرى المقتاد، ولهيه بأذن مؤللة إلى ما يوحى إليه، ويؤمر به، يجود نحو الأكل نظره، ويذكي إليه بصره، ويلتقف ما ألقى إليه، التقاف ثعبان موسى صلوات الله وسلامه عليه، بفم كالغار الأجوف، أو كالخرق في البرد (١) المفوف، يزدرد الطعام ازدرادًا، وينزل بها وقد استحالت من حر النار رمادًا، إلى فطنة بالرمز والإشارة، يُميز بين النعي والبشارة، لا يفارق بين دخان نار الشيء، ودخان نار الكي، ويكاد يعرف الرشد من الغي، يصيد السرحان ويقتل الثعبان، ويقهر الظليم وإن بعد عنه وبان، فإن عرض له الصيد، فذو خفة وأيد، وهو له أجل وقيد، لو كان مع خراش يجمع ما تفرق من الظباء عليه (٢)، أو مع واشق ما أقعص صاحبه لديه، ثم لا تراه كائنًا إلا قدام الغنم طليعة أو من ورائها كامنًا، وكأنما كان لأصحاب الكهف والرقيم ثامنًا (٣)، ففي كل حالاته عجب وعبر، إذا التوى وانعطف فبارق تعب به المطر، وإذا وقف واعتدل، فقوس أعوزه الوتر، أو جرى ووثب، فسهم أرسله القدر، وقد تخيّرتُ لسيدي من هذا النسل جروًا، زاكي الأصل مرهفًا كالنصل، إذا جرّ به حمد منابه، وشكر عند مكافحته الذئاب ظفره ونابه، وإنه السريع الإجابة عند الصفير، وجد بصير، يعض الخنازير بأسنان كالأشفية، أو كالخناجير إذا أقبلت عليه خادعها، وأخلد إلى الأرض، وإذا أدبرت عنه ركب أعجازها للقبض، فمن مجدّلٍ هناك هالك، ومن هارب ضاقت عليه المسارح والمسالك، أعجزه لاشتغاله بغيره طاقه، فأقام يغط غطيط البكر شُدَّ خناقه، فاقتنه - أدام الله عزّك - للزرع والضرع. فاقتناء مثله حلال مباح في الشرع. فالله تعالى يقرّ لك به أذنًا وعينًا، ما كان هذا الحديث كله زورًا ومينًا.

وذكرت بهذه الرسالة رسالةً كنت كتبتها في هذا المعنى وهي:

هل لك - أعزك الله - في جرو يكفيك مؤونة الغزو، بما يراوغ من الصيود، ويُراود على الجلود، مما يحوش من الوحوش، أحفظ للصاحب من صاحبه، وأخفى


(١) في الأصل: البر.
(٢) إشارة لقول خراش:
تكاثرت الظباء على خراش … فما يدري خراش ما يصيد
(٣) إشارة لقوله تعالى: ﴿ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم﴾ سورة الكهف ٢٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>