للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال ابن بسام: أحد كتاب الجزيرة المهرة، والنقدة الشّعرة، ممن نهض في الصناعة بالباع الأمد (١)، وأخذ فيها بالساعد الأشد، ارتاض في طرقها معيدًا ومبديًا، ورمى إلى أغراضها مُصيبًا ومُخطيًا، حتى تدرّج في مدارجها، وخرج على جميع مناهجها، واطلع على ثناياها، وأشرف على جناياها.

وأورد له من نثره، قوله من رقعة عن عليّ بن مجاهد (٢) إلى المعز بن با دس (٣) صاحب إفريقيا (٤):

أطال الله بقاء الملك الأجل ناظر عين الزمان، وروح جسم الإيمان، وحسام عاتق الإسلام، وحلي جيد الأنام، ومهدي ضوال الآمال، ومأوى شارد الأنعام والأفضال، مخلدة في الأنام دولته، مؤيدة مع الأيام مدته.

أنا - أيده الله - أمتُ إلى دولته - خلدها الله وأيدها كما وقدها ومهدها - بما أنأى به على الأقران، وأكافح كل زمان، وأفادح كل بستان، وأحرز كل ميدان، أن ارتقيت إلى سمائها، وصعدت في سوائها، مستسهلًا وعر المرتقى لسهل الملتقى، ومستعذبًا مرّ المجتلى لحلو المجتنى، فشافهتُ (٥) بدرها، وتبوأت حجرها، وارتضعتُ درّها، على حين أجفان الفضل كليلة، وأقدام المجد معقولة، وأيدي النصر مغلولة، وإن قعدت عن مناسك فرضها، فإني معيرها ضميرًا كما انبلج النهار، وشكرًا كما أرج النوار، وهل أنا إلا أحد أبنائها، وشهب سمائها، وشيعة علائها، وحماة أرجائها، وإن جذم نأي الدار كف الخيار، ففي البعد اعتذار وفي الجهد إعذار، وإن مع التجاوز ليعم (٦) العيان، ومع التجاوز ليطمئن البرهان. ومع التزاور لترود الأحوال، ومع التقارب ليقع الإخلال، والقوى المخلوقات قريبة الانحلال، سريعة الانفعال، والنيرات على وفور ضيائها، وظهور سناها


(١) الذخيرة: الأسد.
(٢) علي بن مجاهد بن يوسف العامري، ولي دانية بعد أبيه سنة ٤٣٦ هـ وغلبه ابن هود عليها سنة ٤٦٨ هـ فأقام بسرقسطة حتى توفي سنة ٤٧٤ هـ، البيان المغرب ٣/ ١٥٧.
(٣) المعز بن باديس بن المنصور الصنهاجي، من ملوك الدولة الصنهاجية بأفريقيا، ولد بالمنصورية سنة ٣٩٨ هـ ولي بعد أبيه سنة ٤٠٦ هـ، وكان خطبته للفاطميين، ثم قطعها وجعلها للعباسيين، تحاريه الخليفة الفاطمي وتغلب عليه، فتقهقر إلى المهدية حتى وفاته سنة ٤٥٤ هـ.
انظر: وفيات الأعيان وابن خلدون ٦/ ١٥٨ والبيان المغرب ١/ ٢٦٧.
(٤) الذخيرة: ق ٣ مج ١ ص ٣٦١.
(٥) في الأصل: فشابهت، والتصويب عن الذخيرة.
(٦) في الأصل: ليغمر العيان.

<<  <  ج: ص:  >  >>