للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وسجية المنبت الذي إليه منتماه، قد أخذت به ما بين الدقة المتناهية التي لا يستحسن، والغلظ المفرط الذي يُستخشن، وأقرته على المقدار الذي لا يقع اختيار الكاتب على سواه، ولا يتعداه اقتراحه ولا يتخطاه، ثم انتحى بريه ذو يمين رفيقه، وسكين رقيقه، فأجاد الشق، وأحكم القط، وجاء به غر شاق ولا عاق، سلس الجريان إذا أرسل، موافقًا (١) للبنان إذا أعمل، معطيًا لقياده غير بخيل بمداده، تتبناه الأنامل، فترأمه، وتواصل العمل به فلا تسأمه.

قال ابن بسام (٢): ومن البديع في وصف القلم ما حكاه العتابي عن نفسه، قال: سألني الأحمصي قال: أي الأنابيب أصلح للكتابة وعليها أصبر؟ قلت: ما نشف بالهجير ماؤه، وستر عن تلويحه غشاؤه، ومن التبريّة القشور، الدرية الظهور، الفضية، الكسور، قال: فأي نوع من البري أكتب وأصوب؟ قلت: البرية المستوية القط، عن يمين سنّها برية تأمن معها المجة عند المط، الهواء في مشعها فتيق، والريح في جوفها حزيق، والمداد في خرطومها رقيق، قال: فبقي الأصمعي شاخصًا إلي ضاحكًا، لا يُحير مسألةً ولا جوابًا.

ومن شعره الطيار المليح، المتناهي في خفة الروح، قوله (٣):

أسنى ليالي الدهر عندي ليلةٌ … لم أخل (٤) فيها الكأس من إعمال

فرقتُ فيها بين جفني والكرى … وجمعت بين القرط والخلخال

وقوله (٥):

الله ما صنع الحياء بصفحةٍ … لم تُبقِ عندك للتجلّد مذهبا

كان البياض بها لجينًا خالصًا … فأحاله فغدا لجينا مذهبا

وقوله مما أبهم (٦) فيه، وإنما يكنّى عن قدح فخارٍ مُزفّت قد اتخذها للمشروب:

وخل إذا قل المجيبون لم يزل … إلى كل ما أدعو (٧) إليه مجيبي

غدوت أخا التوفيق لما اتخذته … أديب السجايا وفق كل أديب


(١) الأصل: موافق.
(٢) الذخيرة: ق ٢ مج ٢ ص ٥٨١، والخبر أيضًا في زهر الآداب: ٦١٩.
(٣) الذخيرة: ق ٢ مج ٢ ص ٥٨٣، والمغرب ١/ ٣٩٧.
(٤) في المغرب: يخل.
(٥) الذخيرة: ق ٢ مج ٢ ص ٥٨٣.
(٦) في الأصل: أتهم، والتصويب عن الذخيرة.
(٧) في الأصل: يدعو.

<<  <  ج: ص:  >  >>