من النصح تقريع، ومن الحفاظ تضييع، ولكل مقام مقال، إذا عدي به عنه استحال، ووصل منك إلي (٢) كتاب (٣)، أومأت فيه إلى النصح، وذلك (٤) على سبيل النجح (٥)، وكان بالجملة أوله سباب، وآخره إعجاب، والسباب لا ينطق به كريم، والإعجاب لا يرضى به حكيم (٦). وما أحسن قول القائل (٧):
وتجهل أيدينا ويحلم رأينا … ونشتم بالأفعال لا بالتكلم
فإن أردت أن تستصلح مني بسبك فاسدًا، وتقرب مني متباعدًا، فما هذه شيم يقضي بها الفضل، ولا سياسة يحكم بها العدل، وإن كنت أردت التخويف والإيعاد، والإبراق والإرعاد، فقد كفاني قول الكميت:
أرْعِد وأبرق يا يز … د فما وعيدك لي بضائر
وما ذكرته من الذي وقع بين الطائفتين من بني عمنا بالعدوة، فكل امرئ بقدر، ولكل نبأ مستقر، والدنيا أحوال، والحرب سجال (٨) وأكثر الوبال واقع على الظالم، ونازل بالجارم (٩).
ومنه قوله (١٠):
من رغب عن الفضل بنفسه ندم، ومن فر من الليل أدركه حيث خيم، ومن لكلّ ظمآن بعذب زلال، ولكل آمل بنيل الآمال؟ وما كلّ مُسْتَسْقٍ يُمْطر، ولا كل طالب يظفر، وما ضاق عُذر وسِعَهُ حلمك، ولا خذل (١١) من نَصَرَهُ عزمك (١٢)، وما أحسن
(١) الذخيرة ق ١ مج ٢ ص ٦٢٥ وفيه أنه فصل من رقعة عن حبّوس إلى ابن عبد الله أمير قرومنة. (٢) في الذخيرة: إلي تلك. (٣) بعده في الذخيرة: طمست منحاه، وعميت معناه. (٤) في الذخيرة: ودللت. (٥) بعده في الذخيرة: فوقفت على فصوله ومعانيه، وأحطت علمًا بجميع ما فيه … (٦) بعده في الذخيرة: وقد نزّهني الله عن المعارضة بهذا ومثله. (٧) هو معبد بن علقمة المازني. (٨) بعده في الذخيرة: وخيرهم وشرهم عنا بعيد، وكل من نصرك وأيدك فهو القريب الودود، وإن تفرقت الآباء والجدود، ومن شدّ عن الجماعة وفارقها، ونابذها وشاقها، فهو الجاني على نفسه وعليها، والجار سوء العاقبة إليه وإليها. (٩) في الأصل: الحازم. (١٠) الذخيرة: ق ١ مج ٢ ص ٦٢٨. (١١) في الذخيرة: خذل دهر. (١٢) بعده في الذخيرة: وما شعت يا سيدي عمرًا لم أقطعه في دراك، ولا ثلث حظًا لم يكن بمسعاك، ولا حس لي عمل خالك هواك … إلخ.