عباد، فرّ من قبضته فرار الزئبق من النار، والخاشع الزاهد من الدينار. وعلى كلامه مسحة من السحر، ونغمة من السحر.
قال الفتح (١): وكتب إلى أحد إخوانه، وقد نال الدهر من امتهانه:
من صحب الدهر - أعزك الله - وقع في أحكامه، وتصرف بين أقسامِهِ: من صحة وسقم، وغنى وعدم (٢)، وعند ورودي، أُعلِمتُ بما أصابتك به صروف الأيام، من الامتهان والإيلام، وقد جمعتنا حوادث الأيام وصروفها، وإن اختلفت أنواعها وصنوفها. على أن (الذي)(٣) أصابك. أثقل عبئًا، وأعظم رزءًا، فالله يعظم أجرك، ويجزك ذخرك، ويجعل هذه الحادثة آخر حوادثك، وأعظم كوارثك.
ومن نظمه قوله (٤):
بحر سقم ماج في أعضائه … فرمى في جلده بالزبد
كان مثل السيف إلا أنّه … حُسد الدهر عليه فصدي
وذكره ابن بسام فقال (٥): كان قد حلّ من كتاب الإقليم، محل القمر من النجوم، وتصرّف في التأخير والتقديم، تصرّف الشفرة في الأديم، وله ولأبيه قبله، لواء سبق، ولسان صدق، ولما شأى أبو محمد الحلبة (٦)، وتبحبح صدر الرتبة، تهاوته الآفاق. وامتدت إليه الأعناق، ففاز به قدح عبّاد بعد طول خصام، والتفاف زحام، فأصاخ أبو محمد لمقاله، وتورّط بين حبائله وحباله، وكان قد غص ابن زيدون بمقدمه، وجهد - زعموا - كل جهد في إراقة دمه. ولما رأى أبو محمد أنه قد باء بصفقة خسران، وأن العشاء قد سقط به على سرحان، أدار الحيلة، وابتغى إلى الخلاص الوسيلة (٧)، فألقى عصا التسيار، وأخذ في [اقتناء](٨) الضياع والديار، حتى ظن عباد أنه قد رضي جواره، واستوطن داره، فاستنام إليه بإرساله (٩) إلى بعض خلفائه بالجزيرة (١٠)، فجعل (١١) يتفادى
(١) قلائد العقيان ص ٥٣٩. (٢) في القلائد: وغناه ووجود وعدم. (٣) الزيادة عن القلائد. (٤) الأبيات في القلائد ص ٥٣٩ الخريدة ٣/ ٤٥٩ والمغرب ٢/ ٤٠٢ ونفح الطيب ٢/ ٤٩٦. (٥) الذخيرة ق ٣ مج ١ ص ١٢٥. (٦) في الذخيرة: بالأندلس الحلبة. (٧) بعدها في الذخيرة: زعموا أنه مفرد خل اشبيلية يومئذ نافر النفس، منقبض الأنس، فلما استشعر الحذر، وأحس بالتغيير. (٨) اقتناء، ليست في الأصل، وهي في الذخيرة. (٩) في الذخيرة، برسالة، ولعله تصحيف. (١٠) في الذخيرة: إلى بعض خلفائه من رؤساء الجزيرة. (١١) بعدها في الذخيرة: أبو محمد.