هيبت أنت هبوب زيد الفوارس (١)، وقربت تقريب الألد المداعس، تومض في وجوم وتمتعض للنجوم، فاستخرجتها (٢)، ومن هناك صبحت الفتائق (٣)، وفتحت المغالق، فأذعن لشروطك الشرطان وازدحمت بالبطين حلقتا البطان، وثار بالثريا ثبور، وعصفت بالدبران الدبور، وهكذا استعرضت المنازل، واستنهضت (٤) للخطب النازل، ثم تيامنت نحو الجنوب، فواهًا للمعاصم والجيوب (٥).
لم يبق غير طريد غير مُنْفَلِتٍ وموثق في حبال القد (٦) مسلوب استخرجت السفينة من لججها، وجالت الناقة بهودجها، وغودرت العقرب يخفق فؤادها، وذعرت النعائم فخاب طرادها (٧)، لما مَسَحْتَ تلك الآفاق، وأنخت فيها وشددت الوثاق، عطفت ذات (٨) الشمال، واتبعت أسباب الشمال، فلا مطلع إلا ألقى إليك اليمين، واستدارت حولك الفكة (٩) فسميت قصعة المساكين، وانتهيت إلى القطب فكأن عليه المدار، وتبوّأته ففيه (١٠) عن جلالتك افتخار.
ومن نظمه قوله وقد كتب إليه بعض أصدقائه (١١):
واحسرتا لصديق ما له عوض … إن قلت من هو؟ لا يلقاك معترض
ألقاه بالنفس لا بالجسم من حَذَرٍ … لعلّةٍ ما رأيت الحر ينقبض
فكتب إليه من قطعة:
ناشدتك الله والإنصاف مكرمة … أما الوفاء بحسن الود (١٢) مفترض
(١) هو زيد بن حصين بن ضرار الضبي الفارس الجاهلي الشاعر. (٢) بعدها في القلائد والخريدة من أيدينا، وأزعجتها عن نواحينا، ثم صيّرت إليك شملها وكنت أحق بها من أهلها، ومن هناك أوصلت سراك. (٣) في القلائد الفيالق وفيه بعدها: وتسنّمت تلك الحصون، وأقسمت لتخرجهم منها أذلة وهم صاغرون، وهو تضمين لقوله تعالى: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ سورة النمل: ٣٧. (٤) القلائد واستهضم جميعًا الخطب النازل. (٥) في الأصل: فوفاها للمعاجم والجيوب. (٦) القلائد: العز. (٧) القلائد فخاب إصدارها وإيرادها. (٨) في القلائد: وعطفت الشمال. (٩) الفكة: كواكب مستديرة خلف السماك الرامح تعرف بقصعة المساكين. (١٠) في القلائد: فله. (١١) قلائد العقيان ص ٣٨٩. (١٢) القلائد: العهد.