للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وريحك ساكنة، وكلامك معتدلًا، ووف مجالس الخلافة حقوقها. فإن هذا أليق بك، وأجمل بحسن مذهبك وشريف محتدك، ولا تعجلن، فرب عجلة تورث ريثًا، والله يعصمك من الزلل، وخطل القول والعمل، ويتم نعمته عليك كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق، إن ربك عليم حكيم. فقال إبراهيم: أمرت، أصلحك الله بسداد، وحضضت على الرشاد، ولست بعائد إلى ما يثلم قدري عندك، ويخرجني من مقدار الواجب إلى الاعتذار؛ فها أنا معتذر إليك من هذه البادرة، اعتذار مقر بذنبه لأن الغضب لا يزال يستفزني بمراده، فيردني مثلك بحلمه، وتلك عادة الله عندك وعندنا فيك. وقد جعلت حظي من هذا العقار لبختيشوع وليت ذلك يفي بأرش الجناية عليه، ولن يتلف مال أفاد موعظة.

قال أبو محمد بدر بن أبي الأصبغ الكاتب: حدثني جدي، قال: دخلت على بختيشوع في يوم شديد الحر، وهو جالس في مجلس مخيّش بعدة طاقات من الخيش طاقان ريح بينهما طاق أسود وفي وسطها قبة عليها جلال من قصب مظهر بدبيقي قد صبغ بماء الورد والكافور والصندل. وعليه جبة يماني سعيدي مثقلة، ومطرف قد التحف به، فعجبت من زيه. فحين حصلت معه في القبة نالني من البرد أمر عظيم، فضحك وأمر لي بجبة ومطرف وقال: يا غلام، اكشف جوانب القبة، فكشف فإذا أبواب مفتوحة من جوانب الإيوان إلى مواضع مكبوسة بالثلج، فيخرج منه البرد الذي لحقني. ثم دعا بطعامه فأتي بمائدة في غاية الحسن عليها كل شيء حسن ظريف. ثم أتى بفراريج مشوية في غاية الحمرة، وجاء الطباخ فنفضها كلها فانتفضت وقال: هذه فراريج تعلف اللوز والبزر قطونا، وتسقى ماء الرمان. ولما كان في صلب الشتاء دخلت إليه يومًا والبرد شديد، وعليه جبة محشوة وكساء، وهو جالس في طارمة في الدار على بستان في غاية الحسن، وعليها سمور قد ظهرت به، وفوقه جلال حرير مصبغ، ولبود مغربية وانطاع أدم يمانية. وبين يديه كانون فضة مذهب مخرق، وخادم يوقد العود الهندي، وعليه غلالة قصب في نهاية الرفعة. فلما حصلت معه في الطارمة وجدت من الحر أمرًا عظيمًا، فضحك وأمر لي بغلالة قصب، وتقدم بكشف جوانب الطارمة، فإذا مواضع لها شبابيك خشب بعد شبابيك حديد، وكوانين فيها فحم الغضا، وغلمان ينفخون ذلك الفحم بالزقاق كما يكون للحدادين. ثم دعا بطعامه فاحضروا ما جرت به العادة في السرو والنظافة، واحضرت فراريج بيض شديدة البياض فبشعتها، وخفت أن تكون غير نضيجة ووافي الطباخ فنفضها فانتفضت، فسألته عنها فقال: هذه تعلف الجوز وتسقى اللبن الحليب، وكان بختيشوع بن جبريل يهدى البخور في درج ومعه درج آخر

<<  <  ج: ص:  >  >>