فيه فحم بتخذ من قضبان الأترج والصفصاف، وسقس الكرم المرشوش عليه عند إحراقه ماء الورد المخلوط بالمسك والكافور، وماء الخلاف والشراب العتيق. ويقول: أنا أكره أن أهدي بخورًا بغير فحم العامة، ويقال هذا عمل بختيشوع.
قال أبو محمد بدر بن أبي الأصبغ، عن أبيه عن أبي عبد الله محمد بن الجراح، عن أبيه: إن المتوكل قال يومًا لبختيشوع: ادعني فقال: السمع والطاعة، فقال: أريد أن يكون ذلك غدًا. قال: نعم وكرامة، وكان الوقت صائفًا، وحره شديدًا، فقال بختيشوع لأنسابه وأصحابه: أمرنا كله مستقيم إلا الخيش؛ فإنه ليس لنا منه ما يكفي.
فأحضر وكلاءه، وأمرهم بابتياع كل ما يوجد من الخيش بسر من رأى، ففعلوا ذلك وأحضروا كل من وجدوه من النجادين والصناع، فقطع لداره كلها صحونها وحجرها ومجالسها وبيوتها ومستراحاتها خيشًا حتى لا يجتاز الخليفة في موضع غير مخيش. وأنه أفكر في روائحه التي لا تزول إلا بعد استعماله مدة، فأمر بابتياع كل ما يقدر عليه بسر من رأى من البطيخ، وأحضر حشمه وغلمانه وأجلسهم يدلكون الخيش بذلك البطيخ ليلتهم كلها، وأصبح وقد انقطعت روائحه. فتقدم إلى فراشيه فعلقوا جميعه في المواضع المذكورة، وأمر طباخيه بأن يعملوا خمسة آلاف جونة في كل جونة باب خبز سميد، ودست رقاق وزن الجميع عشرون رطلًا؛ وحَمَل مشوي وجدي بارد، وفائقة ودجاجتان مصدرتان، وفرخان ومصوصتان وثلاثة ألوان، وجام حلواء.
فلما وافاه المتوكل رأى كثرة الخيش وجدته، فقال: أي شيء ذهب برائحته؟ فأعاد عليه حديث البطيخ، فعجب من ذلك، فأكل هو وبنو عمه والفتح بن خاقان على مائدة واحدة. وأجلس الأمراء والحجاب على سماطين عظيمين لم ير مثلهما لأمثاله. وفرق الجون على الغلمان والخدم والنقباء والركابية والفراشين والملاحين وغيرهم من الحاشية، لكل واحد جونة، وقال: «قد أمنت ذمهم؛ لأنني ما كنت لو أطعموا على مائدة آمن أن يرضى هذا ويغضب الآخر، ويقول واحد شبعت ويقول آخر لم أشبع، فإذا أعطى كل إنسان جونة من هذه الجون كفته واستشرف المتوكل على الطعام فاستعظمه جدًا، وأراد النوم، فقال البختيشوع: أريد أن تنومني في موضع مضيء لا ذباب فيه، وظن أنه يتعنته بذلك، وقد كان بختيشوع تقدم بأن يجعل أجاجين الدبس في سطوح الدار ليجتمع الذباب عليه، فلم يقرب أسافل الدور ذبابة واحدة. ثم أدخل المتوكل إلى مرتفع كبير سقفه كله بكوّى فيها جامات يضيء البيت منها، وهو مخيش مظهر بعد الخيش بالدبيقي المصبوغ بماء الورد والصندل والكافور.
فلما اضطجع للنوم أقبل يشم روائح في نهاية الطيب لا يدري ما هي؛ لأنه لم ير