إلى يوم واحد وأبرمه. قال: فسمعت أبا نصر يتحدث أنه قال له: إن أنت أردت أن تبرأ، فتقدم إلى الغلمان والفراشين أن يأتمرونني دونك في هذا اليوم، وما منهم من يخالفني في أمري إلا قتلته، ففعل بختيار ذلك. فأمر أبو نصر أن يحضر أجانة مملوءة عسل طبرزد. فلما حضر غمس يدي بختيار فيه، ثم بدأ يداوي عينيه بالاشياف الأبيض، وما يصلح الرمد. وجعل بختيار يصيح بالغلمان، فلا يجيبه أحد. ولم يزل كذلك يكحله إلى آخر النهار فبرئ. وكان هو السفير بين بختيار والخليفة. وإذا خرجت الخلع فعلى يديه تخرج، وله منها النصيب الأوفر.
ومنهم:
[٤٢] نظيف القس الرومي (١)
كان كريم العلاج إلا أن يتلاءم، مبارك اليد إلا من رآه يتشاءم، لو رأى إبليس طلعة وجهه قال فديت من لا يفلح، أو أرسطاطليس لأفسد كلما كان يصلح، طار عليه طائر هذه السمعة القبيحة، والشنعة التي لبس منها ثوب الفضيحة، وكان فاضلًا لا يعوز، ويتضاءل لديه البحر الذي يعجز.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان خبيرًا باللغات والنقل، فاضلًا في الطب، وكان عضد الدولة يتطير منه، وكان يولعون به إذا دخل إلى مريض حتى حكي في بعض الأوقات أن عضد الدولة أنفذه إلى بعض القواد في مرض كان عرض له، فلما خرج من عند القائد استدعى ثقته، وأنفذه إلى حاجب عضد الدولة يستعلم منه نية الملك فيه؛ ويقول: إن كان ثم تغير نية، فليأخذ له الإذن في الانصراف والبعد، فقد قلق لما جرى، فسأل الحاجب عن ذلك وسببه. فقال الغلام: ما أعرف أكثر من أنه جاءه نظيف الطبيب وقال له: يا مولانا، الملك أنفذني لعيادتك. فمضى الحاجب؛ وأعاد بحضرة الملك عضد الدولة هذا الحديث فضحك، وأمره أن يمضي إليه ويعلمه بحسن نيته فيه؛ وأن ذلك لشغل قلبه به فأنفذه إليه ليعوده. وحملت إليه خلع سنية فسكنت بها نفسه، وزال
(١) نظيف بن يمن البغدادي الرومي الملكي القس طبيب رياضي ناقل من اليونانية إلى العربية، تولى تدبير البيمارستان العضدي في بغداد عاصر البيروني المتوفى في ٤٤٠ هـ. كان حيًا سنة ٣٥٩ هـ. ترجمته في: عيون الأنباء ٣٢٢، أخبار العلماء ٣٣٧، أعلام الحضارة ٢/ ٥٠٢ - ٥٠٣ رقم ٥٤٧. (٢) عيون الأنباء ٣٢٢.