وإذ انتهت بنا الأوبة في العلماء إلى نوبة الحكماء، فلنطبق بذكرهم المفاصل، ونطلق من عمود اللحود المناصل، وتُنبه منهم عيونًا طالما طال نومها، ونأتي بفوائد فئة كم كثر حسادها، ونقتصر على المشاهير والأعيان الذين يكادون يعدون من المشاهير، ونأتي منهم بمن تكلم في العلوم الثلاثة: الطبيعي، والرياضي، والإلهي أو أحدها، وأجاد في جميعها أو مفردها، فنذكرهم على اختلاف فرق مللهم ونحلهم، وبلادهم وتلادهم، كل فرقة على حدتها بما وقع في قسمة الجانبين، ولم نُسَمٌ منهم إلا من لم يسامت في أفقه، ولا يساهم أولى كوكبه إلى سمائه، أو أخلد ضَبْنُهُ إلى نفقه ممن له في علم الكلام إقدام لا يدانيه ليث الشرى، وتلطف لا يحاكيه طيف الكرى. قصر على طلبه الأشغال، وقصد في التزيد من مكسبه الإيغال، ومن هو بالطب طب بتقصي أحوال المزاج، لا تخفى عليه نبضة عرق، ولا يُموَّهُ عليه ومضة حِذق، ولا يدق مدخل سقام إلا ودواؤه يتبعه، وسقاؤه سوس يذل له سَبعُه.
وأولهم: الهرامسة الثلاثة
وإليهم تنسب أصول هذه العلوم، وقال ذلك أبو معشر البلخي (١)،
(١) جعفر بن محمد بن عمر البلخي، أبو معشر الفلكي: عالم فلكي مشهور. كان أولًا من أصحاب الحديث، وتعلم النجوم بعد سبع وأربعين سنة من عمره، وضربه المستعين العباسي أسواطًا لأنه أخبر بشيء قبل حدوثه فحدث فكان يقول: أصبت فعوقبت! قال القفطي في وصفه: عالم أهل الإسلام بأحكام النجوم. وكان أعلم الناس بتاريخ الفرس وأخبار سائر الأمم. وعمر طويلًا، جاوز المئة. أصله من بلخ، في خراسان أقام زمنًا في بغداد، ومات بواسط سنة ٢٧٢ هـ/ ٨٨٦ م. وكان يعرف عند الغربيين في العصور الوسطى باسم Albomasar تصانيفه كثيرة، منها «كتاب الطبائع»، و «المدخل الكبير - خ» ترجم إلى اللاتينية ونشر بها، و «القرانات - خ» نشرت قطعة منه، و الألوف في بيوت العبادات - ط مع ترجمة إنكليزية، و «مواليد الرجال والنساء - ط» بعنوان =