إلى أن وصل جبريل بغداد، وما معه إلا النزر اليسير، فقصد طبيبًا يعرف بتزمره، وقرأ عليه، وكان من أطباء المقتدر وخواصه، وقرأ على يوسف الواسطي، ولازم المارستان ثم اتصل برسول صاحب فارس فطار ذكره إلى فارس وكرمان، وكان سبب خروجه إلى شيراز، واتصل بعضد الدولة وأهدى إليه رسالة في عصب العين، تكلم فيها بكلام حسن فحسن موقعه عنده، فقرر له جاريًا عليه، ثم تعرض لزوج خالة عضد الدولة مرض، فأنفذ إليه فشفي على يده، فأجزل عطاءه ورده مكرمًا ثم صحبه إلى بغداد وأجرى عليه رزقين في البيمارستان غير الجراية ثم عرض لابن عباد مرض صعب في معدته، فجهز له عضد الدولة بما يحتاج إليه، ثم بعث به إليه فلما أتى الري أحسن ابن عباد ملتقاه، وأكرم نزله، ثم امتحنه فظهر له فضله، فخلع عليه خلعًا سنية ثم أمره بعمل كناش يذكر فيه الأمراض التي تعرض من الرأس إلى القدم فعمل كناشه الصغير فحسن موقعه عنده، ثم وصله بما قيمته ألف دينار، ورفع أمره إلى عضد الدولة فزاد موضعه عنده فلما عاد من الري دخل بغداد بزي جميل وأمر مطاع وغلمان وحشم وخدم، وصادف من عضد الدولة ما يسره.
واستدعاه حسام الدولة إلى الموصل، وكانت له امرأة عليلة بمرض حاد، فأخذ في علاجها وأشار بحفظ القارورة، فاتفق أن كان عنده وإذا بجارية قد جاءت بالقارورة فنظر إلى الماء وقال لحسام الدولة: هذه المرأة تموت، فانزعج لذلك وصرخت الجارية، فقال لها: جرى في أمر هذه الإمرأة شيء لا أعلمه، فحلفت الجارية أنها لم تجاوز التدبير فقال: لعلكم خضبتموها بالحناء قالت: قد كان ذلك فحرد وقال لحسام الدولة: ابشر بعد ثلاثة أيام تبرأ فكان كما قال (١).
ومنهم:
[١٧] خصيب النصراني (٢)
خصيب لا يرتعي بكنفه المهزول، وطبيب لا يتوقى طبه إلا من هو عن الحياة معزول، عرف باختيان النفوس، وبيع عوالي المهج برخاص الفلوس، كم اجتثت شجرة … لو تركت لطالت سمراتها، وطابت ثمراتها، لا جرم أن جرمه أوبقه، وجره إلى محبسه،
(١) إلى هنا ينتهي من عيون الأنباء ٢٠٩ - ٢١٣. (٢) ترجمته في: عيون الأنباء ٢١٤ - ٢١٥.