مشغوفًا به، واتفق أن الحاجب صنع دعوة كبيرة كان فيها أجلاء الدولة. ولما اشتغل بأمر الدعوة، حُمَّ الغلام حمى حادة، فورد على قلب الحاجب من ذلك موردًا عظيمًا، وقلق قلقًا كثيرًا. واستدعى أبا الحسن الحراني فقال له: يا أبا الحسن أريد الغلام يخدمني في غداة غد اعمل كل ما تقدر عليه، وأنا أكافئك بما يضاهي فعلك. فقال له: يا حاجب إن تركت الغلام يستوفي أيام مرضه عاش، وإلا فتمكني من ملازمته أن يقوم في غد لخمتك. ولكن إذا كان في العام المقبل في مثل هذا اليوم يحم حمى حادة، ولو كان من كان عنده من الأطباء لم ينجع فيه مداواته، ويموت أما في البحران الأول أو الثاني، فانظر أيهما أحب إليك. فقال له الحاجب: أريد أن يخدمني في غد، وإلى العام المقبل فرج. ظنًا من هذا أنه من الأحاديث المدفوعة فلازمه أبو الحسن، ولما كان في غد أفاق وقام في الخدمة وأعطى الحاجب لأبي الحسن خلعة سنية ومالًا كثيرًا، وصار يكرمه غاية الإكرام. فلما كان في العام المقبل في مثل اليوم الذي حم فيه الغلام، عاودته الحمى، فأقام محمومًا سبعة أيام ومات. فعظم في نفس الحاجب وجماعة من الناس قوله، وكبر لديهم محله، وكان هذا منه كالمعجز (١).
ومنهم:
[٣٧] ابن وصيف الصابي (٢)
كان يصبو إليه كل حكيم، ويصيب لديه غرضه كل عليم، لا يرض له صخره، ولا يرضى لغيره فخره، ولا يزال يعده كل عليل لصعب الأدواء ذخره.
قال ابن أبي أصيبعة فيه (٣): كان طبيبًا عالمًا بعلاج أمراض العين، ولم يكن في زمانه أعلم منه في ذلك، ولا أكثر مزاولة.
قال سليمان: حدثني أحمد بن يونس الحراني، قال: حضرت بين يدي أحمد بن وصيف الحراني وقد أحضر سبعة أنفس لقدح أعينهم، وفي جملتهم رجل من أهل خراسان أقعده بين يديه ونظر إلى عينيه، فرأى ماء متهيأ للقدح، فسامه على ذلك، فطلب
(١) إلى هنا ينتهي النقل من عيون الأنباء ٣٠٧ - ٣٠٩. (٢) أحمد بن وصيف الحراني الصابي. ترجمته في عيون الأنباء ٣١١، أخبار العلماء ٤٣٤، طبقات الأطباء ٨١، أعلام الحضارة ١/ ١٥٠ رقم ٨٥. (٣) عيون الأنباء ٣١١.