للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكانت له من المستظهر كرامة لا يهان قدرها، ولا يهاب إلا إذا ضاق في مرماها الفسيح قفرها.

وقال ابن أبي أصيبعة (١): كان رفيع المنزلة، وكان ابن المعوج صاحب الديوان قد استقرت عليه قرية بثلاث آلاف دينار قام منها بألفين، وسأل إنظاره بالألف المتأخرة إلى أوان الغلة، فلم يتحصل، فأشار عليه حاجبه ابن الدواتي أن يأتي ابن الواسطي ليستمهل له المستظهر، فأتاه فأكبر مجيئه، وأخلى له المجلس فعرفه الصورة، وأنه قد رهن كتب داره على خمسمائة دينار، فلما كان من الغد بعث حاجبه يتقاضاه فأعطاه خط الخليفة بالخمسمائة دينار، وكتب ملكه، واستقبل له من ماله، وألبس الحاجب خلعة، وبعث معه إلى ابن المعوج دست ثياب فاخر وخمسين دينارًا للنفقة، فقبل ذلك منه وشكره.

ومنهم:

[٤٧] أبو طاهر البرخشي، وهو أحمد بن محمد بن العباس (٢)

من أهل واسط، وطبيب فيما أهل له من العلم قاسط، قاس على ما صح من قديم التجريب، وعميم النظر الذي يحقق رأي الأديب، بملاطفة كأنما يعاني بها مقبولةً ما برحت أو يعاين مفتولة بين المجانس سنحت.

ذكره ابن أبي أصيبعة (٣) وقال: فاضل في الطب، كامل في الأدب، كان في أيام المسترشد. قال: وكان يعالج بواسط مريضًا به أحد أنواع الاستسقاء، ولم ينجع فيه علاج، وتجاوز حد الحمية، فسهل له في أكل ما أراد، فاجتاز به رجل يبيع الجراد مصلوقًا فاشترى منه وأكل، فعرض له منه إسهال مفرط، ثم انقطع الإسهال، وأخذ مزاجه في الصلاح إلى أن عوفي، فلما علم أبو طاهر بعافيته وكان قد يئس منه، أتاه وسأله بم وجد الراحة، فقص عليه خبر الجراد فأفكر وقال: ليس هذا من فعل الجراد ولا خاصيته، فتقصى عن بائعه حتى عرفه فقال له: أتعرف الموضع الذي صدت منه الجراد الذي أكله هذا، قال: نعم، قال: فامض بنا إليه، فلما أتاه رأى حشيشة هناك يرعاها الجراد، فكان يداوي بها من الاستسقاء وأبرأ بها جماعة من هذا المرض.


(١) عيون الأنباء ٣٤٤.
(٢) ورد لقبه في الأصل «الرجسي» وما صوبناه من عيون الأنباء.
ترجمته في: عيون الأنباء ٣٤٥ - ٣٤٧.
(٣) عيون الأنباء ٣٤٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>