فلما مثل بين يديه، قال له: يا ثابت ما هذه المسيحية التي بلغتنا عنك، فقال: يا مولاي كنت أجتاز بهذا القصاب، وأراه يشرح الكبد، ويطرح عليها الملح ويأكلها، وكنت أعلم أنه سيلحقه سكتة، فأعددت له هذا الدواء، فلما قيل لي اليوم أنه مات فجأةً البارحة، علمت أن السكتة قد لحقته، فدخلت إليه فلم أجد له نبضًا فضربته إلى أن حركت نبضه، وسقيته الدواء ففتح عينيه، وأطعمته مزورة، والليلة يأكل رغيفًا بدراج، وفي غد يخرج من بيته.
ومن كلامه قوله: ليس على الشيخ أضر من أن يكون له طباخ حاذق، وجارية حسناء، فيستكثر من الطعام فيسقم، ومن الجماع فيهرم.
ولما مات ابن قرة رثاه ابن المنجم النديم بقصيدة منها: [من الطويل]
نَعَينا العلوم الفلسفياتِ كلَّها … خَيَا نُورُها إذ قيل قد مات ثابت
ولما أتاه الموتُ لمْ يُغْنِ طبُّهُ … ولا ناطق مما حواه وصامت
فلو أنه يُسطاع للموتِ مَدفَع … لدافعَهُ عنهُ حُماةٌ مَصَالِتُ
أُؤَمِّلُ أَنْ تُجلَى عَنِ الحقِّ شُبهة … وشخصُكَ مقبور وصوتُكَ خَافِتُ
وقدْ كانَ يَجِلُو حُسْنُ تَبيينِكَ العَمَى … وكلُّ قَؤُول حين تنطق ساكت
كأنك مسؤولًا مِنَ البَحرِ غارفٌ … ومُستبدئًا نُطقًا مِنَ الصَّخْرِ نَاحِتُ
فلم يتفقدني مِنَ العِلم واحدٌ … هَرَاقَ إناءَ العلم بعدك كابت
عَجِبتُ لأرض غيبتك ولم يكن … ليثبت فيها مثلك الدهر ثابت
وأحسنت حتى لم يكن لك مُبغِضُ … ولا يَكُ لمَّا اغتالك المَوتُ شامِتُ
مَضَى عَلَمُ العِلمِ الذي كانَ مُقنعًا … فلم يبق إلا مُخطئ متهافت (١)
ومنهم:
[٣٥] سنان بن ثابت بن قرة، أبو سعيد (٢)
مقرب كل بعيد، ومقرص سبب كل وعيد، ما صحب صعبًا إلا دَمَّتَ شيمته، ولين شكيمته، ودله على كرم الأخلاق، ودل عليه وثَوبُ عرضه لا يمزقه الإحراق.
(١) إلى هنا ينتهي النقل من عيون الأنباء ٢٩٥ - ٢٩٨.
(٢) سنان بن ثابت بن قرة الحراني، أبو سعيد: طبيب عالم أصله من حران، ومنشأه ببغداد. كان رفيع المنزلة عند المقتدر العباسي وجعله رأسًا للأطباء - وكان منهم ببغداد ثمانمائة وستون طبيبًا، لم يؤذن لأحد منهم باحتراف الطب إلا بعد أن امتحنه سنان وخدم القاهر بالله والراضي =