تسير الثواقب، وتصير المناقب، وتسوّر خود الثريا بالهلال ويخسأ رقيب العواء المراقب، ظهر لهمن قوة الحدس ما كاد يعد كرامه ويرد به البقاء، وقد كان الهلك رامه.
قال ابن أبي أصيبعة (١): كان من الصابئة المقيمين بحران، وتعلم على محمد بن موسى بن شاكر، فوصله بالمعتضد، فأدخله في جملة المنجمين، وهو أصل من كان ببغداد من الصابئة، ولم يكن في زمانه من يماثله في الطب ولا في غيره من أجزاء الفلسفة، وله تصانيف مشهورة بالجودة، وكذلك جاء جماعة من ذريته، وله أرصاد حسان للشمس تولاها ببغداد.
وكان يدخل إلى المعتضد إلى الحبس في كل يوم ثلاث مرات يحدثه، ويؤنسه ويسليه، فشغف به فلما خرج من معتقله قال لغلامه بدر يا بدر أي رجل أفدنا بعدك، فقال: من هو يا سيدي؟ قال: ثابت بن قرة. ثم أقطعه إقطاعًا جليلًا، وكان يجلسه بين يديه والوزير وبدر فوق.
وحكى أبو إسحاق الصابي: أن ثابت بن قرة بينما هو ماش مع المعتضد في الفردوس، وقد اتكأ المعتضد على يده إذ نتر يده من يده بشدة، ففزع ثابت لأن المعتضد كان مهيبًا ثم لما نترها قال له: يا أبا الحسن - وكان يكنيه في الخلوة - سهوتُ ووضعتُ يدي على يدك، وما هكذا يجب؛ لأن العلماء يعلون ولا يعلون.
وحكي أنه اجتاز يومًا إلى دار الخلافة، فسمع صياحًا وعويلًا، فقال: ما هذا؟ قالوا: مات القصاب الذي كان هنا فجأة، فأتى إليه وأمر النساء بالسكون، وأن يعملوا مزوّرة، وأمر بعض غلمانه أن يضرب القصاب على كعبه بالعصا، وجعل يده في مجسه، وما زال ذلك يضرب كعبه إلى أن قال: حسبك، ثم استدعى بقدح وأخرج من كمه دواء فدافه في القدح بقليل ماء، وفتح فم القصاب وسقاه إياه، فأساغه ووقعت الصيحة في الدار والشارع بأن الطبيب قد أحيا الميت، فتقدم ثابت بغلق الباب، وفتح القصاب عينه وأطعمه المزوّرة وأجلسه وقعد عنده ساعة، وإذا برسل الخليفة يدعونه،