مرات بالغوائل، وأرصد تارات لعلق الحبائل، فلو لم تتذكر له سوابق المساعي، ويتدارك بالدرياق به سم الأفاعي، لما امتد به طلق نفسه ولا نفس عنه حلق حبسه، ثم صلح حاله، وقوي محالة، ونطق في مجالس الخلفاء لسانه، وصدق إحسانه، واستعاد أيامه الأول أترابًا، وأيامه الحسان وطالما هزته إطرابًا.
ذكره ابن أبي أصيبعة (١)، وقال فيه: كان سريانيًا نبيل القدر. وبلغ من عظم المنزلة والحال وكثرة المال، ما لم يبلغه أحد من سائر الناس الذين كانوا في عصره، وكان يضاهي المتوكل في اللباس والفرش.
وقال الترجمان: وكان ابن أبي دؤاد ومحمد بن عبد الملك الزيات يعاديانه ويغريان به الواثق فسخط عليه، وقبض على أمواله وضياعه، ونفاه إلى جندي سابور، فلما اعتل الواثق بالاستسقاء، بعث لإحضاره، ثم عاجل الواثق الموت قبل وصوله. ثم صلحت أيام المتوكل حاله إلى أن بلغ مبلغًا حسده عليه المتوكل، وقبض عليه.
قال: إن بختيشوع كان عظيم المنزلة عند المتوكل فأفرط في الإدلال عليه، فنكبه وقبض على أملاكه ونفاه إلى مدينة السلام. ثم عرض للمتوكل قولنج، فاستحضره واعتذر إليه، وعالجه فبرأ، فأنعم عليه ورضي عنه، وأعاد عليه ما كان له.
ثم جرت على بختيشوع مكيدة أخرى، فنكبه ووجه به إلى البصرة، ثم رده المستعين إلى وظيفة الخدمة، وأحسن إليه إحسانًا كثيرًا، فلما ولي المهتدي جرى مجرى المتوكل في أنسه بالأطباء، وكان بختيشوع لطيف المحل منه، وشكا إليه بختيشوع ما أخذ منه أيام المتوكل، فأمر بأن يدخل الخزائن، فكلما عرفه رد إليه، فلم يبق له شيء إلا أخذه وأطلق له كلما فاته وكتب برعاية أسبابه.
وقال بختيشوع للمهتدي في آخر أمره: يا أمير المؤمنين لي أربعون سنة لم افتصد ولا شربت دواء، وقد حكم المنجمون بأني أموت في هذه السنة، ولست أغتم لموتي، وإنما أغتم لمفارقتكم، فكلمه المهتدي بجميل وقال: قل أن يصدق المنجم، فلما انصرف كان آخر العهد به.
قال الحصري: تنازع إبراهيم بن المهدي وبختيشوع بين يدي أحمد بن أبي دؤاد في عقار بالسواد، فأغلظ عليه إبراهيم، فغضب أحمد بن أبي داؤد وقال: يا إبراهيم، إذا نازعت في مجلس الحكم بحضرتنا أمرًا، فليكن قصدك أممًا، وطريقك نهجًا،