الرشيد بقتل جبريل، فلم يقبل منه الفضل بن الربيع، لأنه كان يئس من حياته، وأصاب تلك الأيام الفضل قولنج شديد فكان جبريل يعالجه فأفاق ثم لما صار الأمر إلى الأمين زاد تقريبه وضاعف مواهبه وكان لا يأكل ولا يشرب إلا بإذنه، ثم لما ملك المأمون كتب إلى الحسن بن سهل بأن يقبض عليه لكونه بعد الرشيد أتى الأمين ببغداد، ولم يأته بخراسان، فحبسه ابن سهل، ثم مرض ابن سهل فعالجه الأطباء، فلم ينتفع بذلك، فأخرج جبريل من الحبس، فعالجه في أيام يسيرة، فبرئ فوهب له مالًا وافرًا، وتلطف له مع المأمون فصفح عنه، واتخذ ميخائيل صهر جبريل بدلًا منه، وأكرمه كيادًا لجبريل، فمرض المأمون مرضًا صعبًا أعيا الأطباء علاجه، فقال أبو عيسى بن الرشيد للمأمون: يا أمير المؤمنين أحضر جبريل فإنه يعرف أمزجتنا منذ الصبا، فتغافل عنه، واحضر يوحنا بن ماسويه، فلما ضعفت قوة المأمون ذكر جبريل فأمر بإحضاره، فلما حضر غير تدبيره كله، فانصلح بعد يوم، واستقل بعد ثلاثة أيام، ثم بعد أيام يسيرة صلح صلاحًا تامًا، فسر به المأمون، وأمر له بألف ألف درهم، وألف كر حنطة، ورد عليه ما كان قبض له، وصار إذا خاطبه يكنه، ثم انتهى إلى أن كان لا يخرج عامل إلى عمله إلا بعد أن يلقى جبريل ويكرمه، وعلا محله وانحط من سواه.
وقال إسحاق بن علي الرهاوي إن يوحنا بن ماسويه أخبر أن الرشيد قال لجبريل بن بختيشوع وهو حاج بمكة: يا جبريل أعلمت أني دعوت لك والله في الموقف دعاء كثيرًا، ثم التفت إلى بني هاشم فقال: هل أنكرتم قولي؟ فقالوا: ذمي هو، فقال: نعم، ولكن صلاح بدني وقوامه به، وصلاح المسلمين بصلاحي، فقالوا: صدقت يا أمير المؤمنين.
وقال: قال ابن بختشوع: اشتريت ضيعة بسبعمائة ألف درهم، فنقدت بعض الثمن، وتعذر علي بعضه، فدخلت على يحيى بن خالد وعنده ولده، وأنا مفكر. فقال: أراك مفكرًا؟ فأخبرته، فدعا بالدواة وكتب: يعطى جبريل سبعمائة ألف درهم. ثم دفع إلى كل واحد من ولده، فوقع ستمائة ألف درهم قال: فقلت؛ جعلت فداك، قد أديت عامة الثمن، وإنما بقي أقله. قال: اصرف ذلك فيما ينوبك، ثم صرت إلى دار الرشيد. فلما رآني قال: ما أبطأ بك؟ فقلت: كنت يا أمير المؤمنين، عند أبيك وإخوتك، ففعلوا بي كذا وكذا، لخدمتي لك. قال: فما حالي أنا؟ ثم دعا بدابته فركب إلى يحيى، ثم قال: يا أبه أخبرني جبريل بما كان، فما كان حالي أنا من بين ولدك؟ فقال: يا أمير المؤمنين مر بما شئت يحمل إليه. فأمر لي بخمسمائة ألف.
وحكى سعيد بن إسحاق النصراني، قال: قال لي جبريل بن بختيشوع: كنت مع