للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الرشيد بالرقة ومعه ولداه، المأمون ومحمد الأمين، وكان رجلًا كثير الأكل والشراب، فأكل في بعض الأيام أشياء خلط فيها، ودخل المستراح فغشي عليه، وأخرج فقوي عليه الغشي حتى لم يشك في موته. وأرسل إلي، فحضرت وجسست عرقه فوجدت نبضًا خفيًا، وقد كان قبل ذلك بأيام يشكو امتلاء وحركة الدم، فقلت: لهم: يموت، إن لم يحجم الساعة. فأجاب المأمون إليه وتقدم الحجام، وتقدمت بإقعاده، فلما وضع المحاجم عليه ومصها، رأيت الموضع قد احمر، فطابت نفسي، وعلمت أنه حي. فقلت للحجام: اشرط. فشرط، فخرج الدم، فسجدت شكرًا لله. وجعل كلما خرج الدم يحرك رأسه؛ ويسفر لونه، إلى أن تكلم. وقال: أين أنا؟ فطيبنا نفسه وغديناه بصدر دراج، وسقيناه شرابًا، وما زلنا نشمه الأرابيج الطيبة، ونجعل في أنفه الطيب، حتى تراجعت قوته، وأدخل الناس عليه، ثم وهب الله له عافيته، فلما كان بعد أيام دعا صاحب حرسه، فسأل عن غلته في السنة فقال ثلثمائة ألف درهم فسأل صاحب شرطته فقال خمسمائة ألف درهم. وسأل حاجبه فقال: ألف ألف درهم. فقال لي: ما أنصفناك حيث غلات هؤلاء وهم يحرسوني من الناس على ما ذكروا، وأنت تحرسني من الأمراض، وتكون غلتك دونهم، ثم أمر بإقطاعي غلة ألف ألف درهم. فقلت: يا سيدي، مالي حاجة إلى الإقطاع، ولكن تهب لي ما اشتري لي به ضياعًا ففعل ذلك، فابتعت بهباته ضياعًا غلتها ألف ألف درهم، فجميع ضياعي أملاك لي لا أقطاع.

والذي صار إليه في أيام خدمته للخلفاء وهي نحو ثلاثين سنة جمل كثيرة. وجدته مدرجًا بخط كاتبه وفيه إصلاحات بخطه، فأما ما صرفه منه في مدة حياته في نفقاته تقريبًا فهو سبعة وعشرون ألف ألف، درهم وستمائة ألف درهم، وفي ثمن دور وبساتين ومنتزهات ورقيق ودواب سبعون ألف ألف درهم، وفي عمائر ثمانية آلاف ألف درهم، وفي ثمن ضياع اثنا عشر ألف ألف درهم، وفي ثمن جواهر وما أعده للذخائر خمسمائة ألف دينار، وخمسون ألف ألف درهم، وفي وجوه القرب وما كفله عن المصادرين ثلاثة آلاف ألف درهم، وما جحده أرباب الودائع له ثلاثة آلاف ألف درهم، ثم الذي خلفه بعد هذا عند وفاته لابنه بختيشوع، وجعل المأمون الوصي فيه فسلمه إليه عن آخره، ولم يتعرض إلى شيء منه، فتسعمائة ألف دينار.

وهذا جبريل هو الذي عناه أبو نواس (١) في قوله: [من مجزوء الرافر]

سألت أخي أبا عيسى … وجِبرِيلُ لَهُ عَقْلُ


(١) ديوان أبي نواس ص ٦٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>