للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الموسعة، وصدقاته التي رفلت الأيام في حللها الموشعة حتى شرقت دونه النفوس بحسراتها، واختنقت القلوب بزفراتها حتى كانت الخلفاء تركب إلى منزله، وترغب في إكرام نزله، وهو بشمم لا يخضع عرنينه، ولا يخشع أنينه، ولا يطلع زهر الروض الجني إلا جنينه.

قال ابن أبي أصيبعة (١): كان مشهورًا بالفضل، جيد التصرف في المداواة، عالي الهمة، سعيد الجد، حظيًا عند الخلفاء. وحصل من جهتهم من الأموال ما لم يحصله أحد من الأطباء.

قال الترجمان: إن أباه أفرده لجعفر بن يحيى، وكان قد اعتل فعالجه فبرئ في ثلاثة أيام، فأحبه جعفر مثل حب نفسه، وكان لا يصبر عنه، ثم تمطت حظية الرشيد ثم لم تقدر ترديدها، ولم يفد فيها طب الأطباء، فدل جعفر الرشيد على ابن بختيشوع، فأحضره وقال له: ما تعرف من الطب؟ فقال: أبرد الحار وأسخن البارد، وارطب اليابس، وأيبس الرطب، فضحك وقال: هذا، غاية ما يحتاج إليه فنبأه نبأ الجارية، فقال جبريل: لها عندي حيلة إن لم يسخط علي أمير المؤمنين. قال: وما هي؟ قال: تأمر بالجارية إلى ههنا بحضرة الجمع؛ لأعمل ما تراه وتمهل علي؛ ولا تعجل بالسخط. فأمر بها فأخرجت. فحين رآها جبريل مشى إليها ونكس رأسها وأمسك ذيلها كأنه يريد حلها سراويلها، فانزعجت الجارية، فاسترسلت أعضاؤها، وبسطت يدها إلى أسفل، وأمسكت ذيلها. فقال جبريل: قد برئت يا أمير المؤمنين. فقال الرشيد للجارية: ابسطي يدك يمنة ويسرة ففعلت. فعجب الرشيد ومن حضروا. وأمر له بخمسمائة ألف درهم، وعظمت منزلته عنده، وجعله رئيسًا على سائر الأطباء. وسئل عن سبب العلة، فقال: هذه الجارية انصب إلى أعضائها وقت الحركة خلط رقيق بالحركة وانتشار الحرارة، ولأجل سكون حركة الجماع بغتة جَمُدت الفضلة في بطون الأعصاب، وما كان يحللها إلا حركة مثلها. فأحببت إلى أن انبسطت حرارتها وانحلت الفضلة.

ولم يزل يزداد مكانة من الرشيد إلى أن مرض الرشيد بطوس مرض موته حبسه واستطب أسقف فارس، فقال له: مرضك كان من خطأ طبيبك كذبًا عليه، فأمر


= ترجمته في: طبقات الأطباء ١/ ١٢٧ - ١٣٨، تاريخ الحكماء ١٣٢ - ١٤٦، عيون الأنباء ١٨٧ - ٢٠١، موسوعة علماء الطب لنعمة الله ص ١٢، علماء النصرانية في الإسلام لشيخو ١٢٧ - ١٢٨، معجم المؤلفين ٣/ ١١٣، الأعلام ٢/ ١١١.
(١) عيون الأنباء ١٨٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>