للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال أبو شامة: وفي سنة أربع وستين وستمائة جاء من مصر من سلطانها الملك الظاهر بيبرس الصالحي ثلاثة عهود، لثلاثة من القضاة: شمس الدين عبد الله بن محمد بن عطاء الحنفي المذكور، وشمس الدين عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر الحنبلي، وزين الدين عبد السلام الزواوي المالكي، وجعل كل واحد منهم قاضي القضاة، كما هو المنصب لشمس الدين بن خلكان الشافعي، وكان قد فعل بديار مصر في العام الأول كذلك، وَلَّوا أربعة كل واحد منهم قاضي القضاة من المذاهب الأربعة، ولكل واحد منهم نائب، فلما وصلت العهود الثلاثة، لم يقبل المالكي والحنبلي، واعتذرا بالعجز والتقصير، وقبل الحنفي؛ لأنه كان نائبًا للشافعية واستمر على الحكم، ثم ورد الكتاب بإلزامهما، وأخذ ما بأيديهما من الأوقاف إن لم يفعلا، فأجابا، ثم أصبح المالكي، وأشهد على نفسه بأنه عزل نفسه عن القضاء، وعن الأوقاف فترك، واستمر الحنبلي، ثم ورد الأمر بإلزامه فقبل، واستمر الجميع لكن امتنع المالكي والحنبلي من أخذ جامكية على القضاء، وقالا: نحن في كفاية فاعفيا منها.

ومن العجب اجتماع ثلاثة على ولاية قضاء القضاة، في زمن واحد، كل واحد منهم لقبه شمس الدين، واتفق أنَّ الشافعي منهم استناب أيضًا من لقبه شمس الدين، فقال بعض الظرفاء: [من المجتث]

أهل دمشق استرابوا … من كَثْرَةِ الحُكَّامِ

إذ الجميع شموس … وكلهم ظلام

وقيل أيضًا: [من مجزوء الرمل]

بدمشق آيةٌ قد … ظهرت للناس عاما

كُلَّما وُلِّيَ شمس … قاضيًا زادت ظلاما

ولما وضعت الأيدي واحتيط على البساتين في الدولة الظاهرية، حضر السلطان بدار العدل، وجرى الكلام في ذلك، فتكلم القاضي شمس الدين عبد الله المذكور من بين الحاضرين، وقال: اليد لأرباب الأملاك، ولا يحل لأحد أن ينازعهم في أملاكهم، ومن استحل ما حرم الله، فقد كفر، فغضب السلطان الملك الظاهر غضبًا شديدًا، وتغير لونه، وقال: أنا أكفّر، فجعل بعض أرباب الدولة يسكن غضبه، ويقول: القاضي إنما أشار بالتكفير إلى من أفتى السلطان بذلك. وكان الذي حمل القاضي على ذلك مخافة الله ﷿ وخشيته، وألقى الله على خاطره في ذلك الوقت قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا

<<  <  ج: ص:  >  >>