وزائدة عما لديه يلتمسها، بحرص يتوقد شرارًا، ويتفقد برق الفطنة لا يتوارى، مع حظ من أدب ما نهنه في مذهبه، ولا بخل بإنفاق ذهبه. كل هذا مع قيام بالحق وإن شق، وعمل بما يجب وإن حجب، وتصميم على الحق ولو غضب.
مولده بالأنبار في المحرم سنة إحدى وثلاثين ومائتين. كان ثبتًا في الحديث. ثقة، مأمونًا، جيد الضبط لما حدث فيه، متقنًا لعلوم شتى، فقيهًا على مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وربما في مسيلات يسيرة، تام العلم باللغة، حسن القيام بالنحو على مذهب الكوفيين، والتتبع لحفظ الشعر القديم والحديث، والأخبار الطوال، والسير، والتفسير، وكان شاعرًا كثير الشعر مجيده، خطيبًا حسن الخطابة والتفوه بالكلام، لسنًا، صالح الحظ من الترسل في المكاتبة، والبلاغة في المخاطبة، ورعًا متخشنًا في الحكم.
تقلد القضاء بالأنبار، وهيت، وطريق الفرات من قبل الموفق الناصر، سنة ست وسبعين ومائتين، ثم قلده الناصر دفعةً أخرى، ثم قلده المعتضد، ثم تقلد بعض كور الجبل للمكتفي سنة اثنتين وتسعين، ولم يخرج إليها، ثم قلده المقتدر سنة ست وتسعين بعد فتنة المعتز القضاء بمدينة المنصور من مدينة السلام، وطسوجي قطربل ومسكن والأنبار، وهيت، وطريق الفرات، ثم أضاف له إلى ذلك بعد سنتين القضاء بكور الأهواز مجموعة لما مات قاضيها، فما زال على الأعمال إلى أن صرف عنها سنة سبع عشرة وثلاثمائة.
وحكى الخطيب في تاريخ بغداد (١) عن القاضي أبي طالب محمد ابن القاضي أبي جعفر بن البهلول قال: كنت مع أبي في جنازة، فجاء أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، فجلس إلى جانبه، فأخذ أبي يعظ صاحب المصيبة ويسليه، وينشده أشعارًا، ويروي له أخبارًا، فداخله محمد بن جرير الطبري في ذلك، ثم اتسع الأمر بينهما في المذاكرة، وخرجا إلى فنون كثيرة من العلم والأدب، فلما افترقنا قال لي أبي: يا بُني هذا الشيخ الذي داخلنا اليوم في المذاكرة، من هو؟ فقلت: هذا أبو جعفر الطبري، فقال: ما أحسنت عشرتي يا بني، فقلت: كيف؟ قال: ألا قلت لي في الحال، فكنت أذاكره غير تلك المذاكرة؟ هذا رجلٌ مشهور بالحفظ، والاتساع في صنوف من العلم، وما ذاكرته بحسبها. قال: ومضت على هذا مدة. فحضرنا في جنازة أخرى وجلسنا، فإذا بالطبري قد أقبل فقلت له: أيها القاضي هذا الطبري قد جاء مقبلًا. قال فأومأ إليه بالجلوس عنده فجلس إلى جنبه، وأخذ أبي يجاريه. فلما جاء إلى