عالم ما اقتنى وما ذخر. بحر موجه مكفوف، وبدر بالنجوم محفوف، وفجر متألق يزيد جوهره في الشفوف، وإمام تقدم والعلماء خلفه صفوف. استقضاه الرشيد، وارتضاه لحلول بنائه المشيد، فانتقاه لتسليم المقاليد وانتضاه سيفًا للتقليد، وكان موضع أمانته، ومرجع أمور ديانته حتى كان يدخله إلى ما وراء حجابه، ويستدعيه بغير محضر من حُجَّابه، ويعارضه أحيانًا في حرمه، ويفاوضه فيما يكون بينه وبين حُرَمِه، ويساره حيث لا يكون نجي، ويشاوره فيما أمره به الله والنبي ﷺ، فعظمت لهذا لديه مكانته، وعرفت بالتسديد في دين الله متانته، واتسع له ذيل مال من الحلال مكسبه، ومن تحف الرشيد وأهل بيته سببه، وما زال على هذا حتى خبت ريحه، وآواه في مستقر الترب ضريحه.
ذكر الخطيب (١) عن أبي يوسف قال: توفي أبي وخلفني صغيرًا في حجر أمي، فأسلمتني إلى قصار أخدمه، فكنت أدع القصار وأمر إلى حلقة أبي حنيفة، فأجلس أسمع، فكانت أمي تجيء خلفي إلى الحلقة تأخذ بيدي، وتذهب بي إلى القصار، وكان أبو حنيفة يعتني بي؛ لما يرى من حضوري، وحرصي على التعلم، فلما كثر ذلك على أمي، وطال عليها هربي قالت لأبي حنيفة: ما أرى لهذا الصبي فسادًا غيرك. هذا صبي يتيم لا شيء له، وإنما أطعمه من مغزلي، وأؤمل أن يكسب دائقًا يعود به على نفسه، فقال لها أبو حنيفة: مُرّي يا رعناء، هذا هو ذا والله يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق، فانصرفت عنه، وقالت له: أنت شيخ قد خرفت وذهب عقلك. قال أبو يوسف: ثم لزمته، فنفعني الله بالعلم، ورفعني حتى تقلدت القضاء، وكنت أجالس الرشيد وآكل معه على مائدته، فلما كان في بعض الأيام، قدم إليَّ الرشيد فالوذجة، فقال لي: يا يعقوب، كل منه فليس في كل يوم يعمل لنا مثلها، فقلت: وما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذه فالوذجة بدهن الفستق، فضحكت، فقال لي: مم ضحكك؟ فقلت: خيرًا، أبقى الله أمير المؤمنين، فقال: لتخبرني، فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها، فعجب من ذلك، وقال: لعمري إن العلم ليرفع وينفع دينًا ودنيا، وترحم على أبي حنيفة وقال: كان ينظر بعيني عقله ما لا يراه بعيني رأسه.
وزاد السمعاني في تاريخه أن الرشيد سأل أبا يوسف عن أمه، فقال له: هي حية باقية، فقال: يحمل ذلك إليها، ويذكر لها ذلك، وتُبر قسم أبي حنيفة.